فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 335

وقد تضافرت جهود فنية متعددة في هذه المرحلة من أجل أن تضع القصة على طريق الحداثة، وقد استطاع القاص العراقي في الخمسينات، أن يحقق درجة عالية من التوازن بين حاجات التغيير الاجتماعي وبين النضج الداخلي للعمل القصصي وأدواته" (28) ولقد كان هذا التوازن وهذا النضج هدفين وضعهما القاص عبد الملك نوري نصب عينيه: لقد كانت القضايا الجمالية هاجسًا رئيسًا لدى عبد الملك، وكان يحاول أن يجسد في قصصه التركيب المفقود بين الكتابة الإبداعية وحاجات المجتمع والتغيير الاجتماعي و"كان يعيش تناقضًا بين أفكاره عن الإنسانية الاشتراكية، وبين الأدب الذي يجب أن ينتج لخدمتهما، والذي يرى أنه لا يمكن تقنيته بسهولة" (29) على حد تعبير القاص فؤاد التكرلي، وهكذا كانت القصص الأولى التي نشرها عبد الملك و لاسيما قصة (جيف معطرة) التي نشرها عام 1949 تبدو -والقول للتكرلي -وكأنها نيزك أضاء بشدة سماءها السوداء (30) هذا في وقت كان أيوب ورفاقه ما زالوا منكبين على قرع طبول القصص الاجتماعية الساذجة، كما يقول التكرلي أيضًا، لقد كانت جهود نوري الفنية منصبة على تصوير الشخصية البشرية من الداخل، مستعينًا بأحدث التقنيات الفنية آنذاك، وكان نوري ينزل الشخصية من عليائها، تمامًا كما كان سليم ينزل الموضوع والحدث من عليائه: فلقد اهتم بالشخصيات الصغيرة المضطهدة والمشوهة والمريضة، وراح يعمل مبضعه في تشريح هذه الشخصيات التي كان يختارها من قاع المجتمع، ويرينا العالم من خلالها، فالإنسان لم يكن لدى نوري كـ (شيء في العالم) كما يرى التكرلي الذي يتحفط بعض الشيء في هذا الرأي (31) إلا أن التناقض الذي لم يستطع حله نوري، هو أن العالم الداخلي لأبطاله لم يكن على تلك الصلة المتحركة بالعالم الخارجي، ولعل هذا الأمر هو الذي أراد أن يقوله ولم يوفق في قوله، هو الذي وفق في أن يجعل العالم الداخلي لشخصياته، وحركة النفس أو الذهن لديها، استجابة سيكولوجية لمنبهات"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت