فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 335

لقد أطلق سليمان البستاني مصطلح (الملحمة EPIC) على قصة هوميروس، ولكن لم يلبث أن استبدل تسمية (الشعر القصصي) بالملحمة ليقول بوجود مثل هذا الشعر لدى العرب. وكان ذلك بدافع غيرة الرجل على العربية وآدابها وحبه لها، وربما كان هذا الدافع يكمن وراء هذا الرأي لدى الباحثين الآخرين ممن تابعوا البستاني. مستدلين بوجود صيغة السرد أو بعض عناصر الملحمة، متجاهلين الخصائص الجنسية والشكلية الأخرى في الشعر الملحمي. إن أسلوب الأعشى القائم على الحوار يمكن أن نجده في قصائد أخرى مثل القصيدة الشهيرة للشاعر الأموي"الوضاح"أو المنحولة عليه، والتي تقوم على موقف غرام (16) ، كما نجده في شعر عمر بن أبي ربيعة، والحطيئة وغيرهما. ولكن القول بوجود الملحمي أو الدرامي في الشعر العربي القديم قول لا يخلو من المبالغة، فقد بقيت محاولة الأعشى في الشعر القصصي، أو اختراع الأسلوب الملحمي"عملًا فذًا لم ينسج أحد على منواله" (17) .

من المعروف أن رواد قصيدة الحداثة التي سميت أولًا بـ"قصيدة الشعر الحر"خطأ، والتي نشأت على يد نازك والسياب والبياتي، وقعت في بداية نشوئها تحت تأثير المذهب الرومانسي وشعراء مدرسة الديوان، ولكن هؤلاء الشعراء ما لبثو أن التفتوا صوب مذاهب ومدارس شعرية أخرى، كالواقعية والتصويرية، ويبدو أن الشاعر الأخير كان أسبق الرواد الثلاثة في تأثره ببعض جوانب المدرسة التصويرية وشعر اليوت، سيما في استخدام لغة الحديث اليومي ورسم المشهد عبر مجموعة من الصور التي يشدها موضوع واحد كما هو الأمر في قصيدة"سوق القرية"وإن اختلف عن التصويريين في جوانب أخرى (18) ، وفي الديوان الذي ضم القصيدة نجد قصيدة أخرى تستخدم السرد وتتسم لغتها بالنثرية وهي قصيدة"مذكرات رجل مجهول" (19) ، التي جاء فيها:

"أنا عاملٌ، ادعى سعيد"

من الجنوب

أبواي ماتا في طريقهما إلى قبر الحسين

وكان عمري آنذاك

سنتين- ما أقسى الحياة

وأبشع الليل الطويل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت