فهرس الكتاب
والسؤال الذي ينبض هنا الآن هو: أين تكمن الغنائية في قصيدة الفعل أو الحادثة التي تتضمن أحداثًا وشخصيات على نحو ما نرى في القصة والمسرحية، وأين يكمن الفرق بين الغنائي والسردي أو الدرامي؟
وللإجابة على هذا السؤال لابد من تفحص بعض النماذج من الشعر الحديث الذي يستخدم السرد وسيلة أساسية في التعبير، وسنقتصر على أنموذجين سبق ذكرهما في ثنايا البحث وهما قصيدة السياب"أغنية في شهر آب" (31) وقصيدة صلاح عبد الصبور"أغنية من فينا" (32) . والقصيدتان لا تقومان على هيكل سردي روائي حسب بل تشتركان في أنهما تشيران إلى القارئ بأنه على عتبة نص غنائي لا قصصي. وتبدأ اللحظة الأولى في قصيدة السياب بالغروب، تمامًا كما تبدأ قصيدة"أغنية العاشق بروفروك"لـ"اليوت"التي يندمج القارئ فيها في حركة روائية منذ مطلعها كما سبق أن ذكرنا، والفارق بين القصيدتين أن لحظة الغروب في قصيدة السياب، هي اللحظة التي ينتهي فيها شهر تموز ويحل شهر"آب"والقارئ ما أن يمضي في قراءة القصيدة حتى يكتشف في أن تموز الذي تعنيه القصيدة هو إله الخصب والربيع لدى العراقيين القدماء، والذي ما إن ينتهي فصل الربيع، حتى يعود ومع شهر"آب"شهر الجدب، إلى العالم السفلي وإلى عالم الظلام والموتى.
"تموز يموت على الأفق"
وتغور دماه مع الشفق
في الكهف المعتم والظلماء
نقالة إسعافٍ سوداء""
وفي المقطع التالي من القصيدة، يتكشف صوت الراوي الذي يروي بضمير المتكلم ويشارك في الأحداث:
"ناديت مربية الأطفال الزنجية"
الليل أتى يا مرجانة
ويستمر الحوار بين السيدة الراوية ومربية الأطفال الزنجية طوال المقطع الثاني من القصيدة، وتقطع هذا الحوار بين الحين والآخر عبارة:"تموز يموت ومرجانة، كالغابة تربض بردانة مشكلة نسقًا من التوازي مع مطلع القصيدة، ويغلب على السرد في القصيدة الزمن الحاضر لا الماضي."
"وتقول ويخذلها النفس:"
"الليلَ، الخنزير الشرس،"
الليلُ شقاء!