الصفحة 11 من 18

المتنبي، لأنه عاش في صراع دائم بين الواقع والمثال، وبين الأمل واليأس، وبين الحزن والسرور، فكان شعره صورة لنفسه المضطربة المتناقضة. [1]

وثمة في القصيدة حشدٌ هائل من المفارقات أسهمت في إثراء بنية النص، كما في قوله:

ولا تَوَهَّمْتُ أنّ النّاس قد فُقِدوا ... وأَنَّ مِثْلَ أبي البيضاءِ موجودُ

أن نمط المفارقة هنا لفظي، حيث كنّى عن كافور الإخشيدي بأبي البيضاء، مع انه كان أسود بل شديد السواد، وفي هذا تعارض ثنائي بين المدلول الحرفي الظاهر، والمدلول السياقي الخفي، غير أن العلامة التي توجه القارئ إلى التفسير الصحيح هي السياق، ومن خلاله يمكن القول بان الدلالة العميقة لهذا التناقض الدلالي هو السخرية اللاذعة من لون الإخشيدي وهيأته بإعطائه صفة التضاد.

وبالطريقة نفسها يسخر من آبائه و أجداده نافيًا عنهم أي مكرُمة تضعهم في مصاف الكرام من الناس: ...

من علَّمَ الأسودَ اَلمخْصِيَّ مَكْرُمَةً ... أَقَومُهُ البِيضُ أم آباؤُهُ الصِّيدُ

ونستشف المفارقة اللفظية أيضًا في قوله:

وعنِدها لذَّ طَعْمَ الموتِ شارِبُهُ ... إِنّ المَنيَّةَ عندَ الذُلَّ قِنْدِيدُ

غادر لفظ (لذّ) مدلوله المعجمي الظاهر إلى مدلول مضاد يتمركز حول الاستخفاف بحال أولئك الذين ينزلون على حكم الأسود، ويرضون به ذلًا وانقيادًا.

وقد تولد المفارقة لدى المتنبي نتيجة الذات الحزينة المؤلمة، فتقلب الأمور إلى أضدادها:

عيدٌ بِأيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ ... بما مَضَى أم بِأَمرٍ فيكَ تَجْديدُ

فبدل من أن يبعث العيدُ في نفسه الفرح والسرور ـ كما هو المعتاد ـ فانه كان سببًا في إثارة مشاعر الحزن والأسى.

ويُبْدِه المتنبي قارئه بمفارقة مؤلمة حين يقول:

ماذا لَقِيتُ مِنَ الدُّنْيا وأَعجَبُهُ ... أَني بما أنَا باكٍ منه محسودُ

إنها المفارقة الكبرى التي تعكس لنا صفحة نفسٍ تفيضُ بالألم الممض، لأنها تجرّع مرارة البؤس والشقاء، ومع ذلك يكون محسودًا من الناس.

وثمة في القصيدة حضورٌ جلي للّون بوصفه"وسيلة تعبيرية فنية يلجأ إليها الأديبُ موظفًا اياها في خدمة ما يريد البوح به أو التنفيس عنه، حتى عدّه بعض الباحثين عنصرًا من عناصر البناء الشعري" [2] ، وعليه فان الألوان تتحرك في النص على شكل تعبير رمزي يحمل دلالات وجدانية في استخدام فني، ويتجلى هذا التوظيف الفني للون في نص المتنبي بوضوح في الأبيات الآتية: ...

ـ إذا أَرَدْتُ كُمَيْتَ اللَّونِ صافِيَةً ... وَجَدْتُها وحبيبُ النَّفسِ مفقودُ

(1) ظاهرة الطباق دلالة نفسية قي شعر المتنبي، د. عبد الفتاح صالح نافع، مجلة المورد، المجلد (11) ، العدد (2) ، 1982:51.

(2) الإحساس باللون في شعر بشار بن برد، د. منتصر عبد القادر الغضنفري، مجلة التربية والعلم، جامعة الموصل، كلية التربية، العدد (16) ، 1994: 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت