فهرس الكتاب
رجح ابن جرير -رحمه الله-، وقواه ابن كثير أن الفعل {مَنَعَكَ} تضمن معنى فعل آخر تقديره: ما أحوجك وألزمك واضطرك ألا تسجد؟! وقد بين سبحانه في سؤاله لإبليس المقتضي لوجوب السجود عليه، وهو أمر الله تعالى له {إِذْ أَمَرْتُكَ} فأمره سبحانه للوجوب، وقد بين سبحانه في مواضع أخرى من القرآن بيان حكمة هذا الأمر وهي مقتضيات التكريم لآدم عليه السلام فقال في سورة ص: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] فالله خلق آدم بيديه، وقد سبق منه عز وجل قبل الأمر بيان هذه الحكمة التي عمي عنها إبليس بكبره وعلوه فقال في سورة الحجر: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] ، فالله سواه بيديه، ونفخ فيه من الروح التي نسبها وأضافها لنفسه؛ تشريفا وتكريما، وقد سبق أيضا منه عز وجل بيان علم آدم الذي خصه الله فقال: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} [البقرة:31] ، بل قبل خلق آدم بين لهم أنه الخليفة في الأرض، وأنه يعلم سبحانه ما لا تعلم الملائكة من وجود الأنبياء والصالحين من ذريته؛ الذين يعبدون الله في الأرض، رغم وجود الفساد وسفك الدماء. كل هذا البيان لحكمة الأمر بالسجود، مع التذكير بأنه أمر من الله واجب القبول والإذعان والانقياد، ومع ذلك ظل إبليس على جهله وظلمه وكبره؛ فعمي عن حكمة الله؛ واتهم الله بأن أمره ما ينبغي أن يكون كذلك والعياذ بالله، وهكذا كل معترض على شرع الله مدَّعٍ عدم مناسبته، أو عدم حكمته فهو على شاكلة إبليس. يُبين الله أنواع الحكم فيما شرع وفيما قدر، ثم يظل هذا المتكبر الجاهل المغتر مصرًا على رؤيته القاصرة لما ينبغي أن يكون عليه الأمر؛ فيترك ما أرشده الله إليه من الحكم، ويدعي أن ما ظنه هو الحكمة، مع أنه ليس مناسبًا ولا بحكمة، فلا شك أن ما ظنه إبليس من وجوب تفضيل النار على الطين، ولزوم تكريم من هو مخلوق من النار على المخلوق من الطين، أمر لا مناسبة فيه ولا معنى للتكريم؛ فإن عنصري النار والطين في ذاتهما ليسا بموجبين للتكريم، ولو كان تفضيل من جهة العنصر ولابد؛ فإن الطين فيه من الصفات ما يكون أولى بالتكريم. قال ابن كثير -رحمه الله-: وقول إبليس لعنه الله: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} من العذر الذي هو أكبر