والقاهر لكل الخلق، وهو العزيز الذي ذلَّ لعزته كلُّ عزيز. ويفرَّق بين القراءتين بأن في قراءة التشديد مبالغة لم تكن في قراءة التخفيف.
وقوله تعالى: { فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ } عطف على ما قبله للتفصيل. أي: فقال الثلاثة بعد تكذيب الاثنين، والتعزيز بثالث: { إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ } . وقولهم هذا إلى نهاية القصة هو تفصيل تام للقصة بعد إجمال، وبعض تفصيل ؛ فقد ذُكِرَت أولًا إجمالًا بقوله تعالى: { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ } ، ثم فُصِّلت بعض التفصيل بقوله تعالى: { إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ } إلى قوله: { فَعَزَّزْنا بِثالثٍ } ، ثم فُصِّلت تفصيلًا تامًا بقوله تعالى: { قالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ } إلى قوله: { إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ } .
ثالثًا- وهنا اعترض أصحاب القرية على الرسل، فأجابوهم بقولهم: { ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ } . أي: ليس لكم علينا مزيَّة موجبة لاختصاصكم بما تدَّعونه من أنكم مرسلون، وما أنزل الرحمن شيئًا من وحي، أو غيره على أحد - كما تدَّعون - وما أنتم إلا تكذبون في دعواكم هذه.
ومثل هذا الإنكار والتكذيب هو خطاب المشركين لمن قال: إن الله أرسله، وأنزل عليه الوحي، لا لمن جاء رسولًا من عند رسول ؛ فقد جعلوا كونهم بشرًا مثلهم دليلًا على عدم إرسالهم. وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة ؛ كما أخبر الله تعالى عنهم، فقال: { ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا } (التغابن: 6) . أي: استعجبوا من ذلك، وأنكروه ؛ ولهذا قال هؤلاء الكفرة: { ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ } .
وقولهم: { ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا } نفي لكونهم رسلًا، وإثبات لكونهم بشرًا مماثلين لهم في حقيقة الذات البشرية على سبيل الحصر. ولفظ البَشَر يستوي فيه الواحد والجمع، وثُنِّيَ في قوله تعالى: { فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } (المؤمنون: 47) . ويقتضي حسن الهيئة ؛ لأنه مشتق من البشارة، وهي حسن الهيئة. يقال: رجل بِشْر وبشير، إذا كان حسَنَ الهيئة. وكذلك: امرأة بشيرة. وسمِّي البشر: بَشرًا ؛ لأنهم أحسن الحيوان هيئة.