فهرس الكتاب
وأمر عثمان رضي الله عنه، بل أقسم على من له حق عليه أن يضع سيفه في غمده، فلو دافعوا عنه لعَصَوه رضي الله عنه، وعنهم جميعًا كما قال ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما سأله أحد الناس بعد ذلك:
كيف وسِعَك أن تدع عثمان يُقتل؟
فقال رضي الله عنه: لو دافعنا عنه عصيناه، لأنه قال: من سلّ السيف فليس مني.
وقد قال عثمان رضي الله عنه لغلمانه: من أغمد سيفه فهو حرّ.
فهو رضي الله عنه يريد بذلك ألا تقع الفتنة بأي صورة من الصور.
ربما يقول البعض: ولكن الفتنة حدثت وسُفكت الدماء بعد ذلك في موقعة الجمل وصفين؟
نقول: إن كل هذا لم يكن في الحسبان، وإن التقدير المادي البشري الذي اتبعه عثمان رضي الله عنه كان يشير إلى أن ما أقدم عليه من رأي يقمع الفتنة في بدايتها، ولكن الأمر تطور بعد ذلك على غير ما توقع الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا [وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا] {الأحزاب:38} .
وينبغي عند الحكم في مثل هذه القضايا أن يكون للعقل دوره، وألا تتحكم العاطفة وحدها في الأمر كله، فموقف قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه بهذه البشاعة، وبهذا الجرم الذي لم يحدث من قبل، تأخذ الحميّة البعض وينسون القاعدة الشرعية التي هي الأخذ بأخف الضررين، ودفع أكبرهما، ويطالبون بالثأر له قبل أي شيء، ولا شك أن هذه الأمور كلها كانت واضحة تمامًا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم أن قرر أن يسكت عن قتلة عثمان بن عفان رضي الله عنه بصفة مؤقتة، فلم يكن قد مُكّن الأمر له في البلاد بعد، وعلينا أن نتخيل ما الذي كان من المتوقع أن يحدث لو فعل ما تمليه العاطفة، ونقدّر التوابع المترتبة على هذا الأمر، هل هي أكبر أم أقل منه، وعندها نستطيع أن نصدر الحكم الصحيح، مع الأخذ في الاعتبار أن عليًا رضي الله عنه من أفقه أهل الأرض في هذا الوقت إن لم يكن أفقههم جميعًا رضي الله عنه.