ثم زاده في الدلالة والإرشاد فقَال لهُ: انْطَلِقْ إِلَىَ أَرْضِ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللّهَ فَاعْبُدِ اللّهَ مَعَهُمْ ، وَلاَ تَرْجِعْ إِلَىَ أَرْضِكَ ، فَإِنّهَا أَرْضُ سَوْءٍ .
فانطلق الرَّجُل . لا يلوي على شيء . تحمِلُه النِّجاد . وتحطُّه الوِهاد . يُسارعُ الخُطى ويحُثُّ السير . يُريد أرضَ الخير .
فلما انَتَصَفَ الطّرِيقُ دنا الأجل ، وأَحسَّ بالْمَوْتِ ، فنأى بِصَدْرِهِ شوقًا لتلك الدِّيار التي سمِع بها ولم يَرَها . غيرَ أن الأجلَ كان أسرع ، فوافته المنيّة .
فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ . فَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الرّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَىَ اللّهِ . وَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ: إِنّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطّ . فأوحى الله إلى هذه أن تقرّبي ، وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي . فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيَ . فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ . فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ . فَإِلَىَ أَيّتِهِمَا كَانَ أَدْنَىَ ، فَهُوَ لَهُ . فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَىَ إِلَىَ الأَرْضِ الّتِي أَرَادَ بمسافة شبر واحد . فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرّحْمَةِ
لقد أقبلَ على الله فأقبلَ اللهُ عليه . بل خَرَقَ لأجْلِهِ نواميسَ الكونِ ، بتباعدِ أرضٍ وتقارُبِ أخرى . وأنزلَ مَلَكًا يَحْكُمُ في قضيّته .
أيُّ قُربةٍ تقرّبَ بها ذلك الرَّجُل ؟ وما العملُ الذي قدَّمه ؟
لقد تقرّبَ إلى الله بتوبةٍ نصُوح .
أتَرونَ اللهَ يفرحُ بتوبةِ عبده وهو سبحانه الغني عن العالمين ، وعباده هم الفقراء إليه ؟