الصفحة 2 من 6

, فقلبه مفعم بالحرارة , قبالة قلب وليه الخامد بالشبم والبرود , إنَّها موازنة لمكامن داخلية بين قلبين قلب الشاعر متلهف بحرارته صوتًا ودلالة , والآخر قلب سيف الدولة بارد صوتًا ودلالة هو الآخر , فكان هذا الانفجار الصوتي في انطلاقة البيت (وآحرَّ قلباه) متلازمًا ملازمة حقيقية للكبت النفسي المفعم والمكتنز بالتوجع والحسرة التي كانت عليها نفسية الشاعر لحظة النظم , قبالة هذا البرود الصوتي الذي حملته لفظة (شبم) , وهو تمثيل حقيقي لقلب سيف الدولة , ولنا أن نمثِّل هذا الجانب النفسي بالمخطط الصوتي الآتي:

ثمَّ ينمُّ عن نفسه في البيت الثاني , فتنكشف لنا الدلالة العميقة من خلال البنية الأسلوبية بهذه النبرة الحجاجية التي اعتمدها الخطاب باستعمال صيغة الاستفهام الإنكاري الذي أسهم في تعرية مكامن الشعور لدى ذات الشاعر فنراه يعجب من نفسه بأنَّه يكتِّم حبَّه لسيف الدولة , ولاغرو أنَّ أبا الطيب قد جسَّد صدقه الشعوري بهذا التعجب وهو ما يعبر عنه علماء النفس بـ (( صدق الأنا في إخراج المكبوت النفسي ) ) (6) , والذي يؤكِّد ما ذهبنا إليه من صدق الشاعر , ويزيد من قوَّته هذه البنية التي مثلتها كلمة (أُكتِّم) بتشديدها , وكأنَّها خرجت من أعماق الشاعر النفسية مع هذا الذهول والتعجب الاستفهامي في تكتيم حبِّه لسيف الدولة , هذه الصورة النفسية لذات الشاعر تقابلها صورة نفسية لهؤلاء المتشاعرين الذين يقربهم سيف الدولة , فهم يتظاهرون في ألسنتهم يدَّعون حبهم لسيف الدولة. فهم (( يعيشون ازدواجية(حقيقية الشعور الباطن) و (زيف الشعور الباطن) , وهو ما يصطلح عليه في الدراسات النفسية بـ (التكوين العكسي) , عندما يكون سلوكهم وأفعالهم على الضدِّ ممَّا يتوارى في داخلهم النفسي )) (7)

هذا التناقض كما يرسمه أبو الطيب بين قلبه وقلب المتشاعرين تجاه سيف الدولة قاد ذات الشاعر إلى طرح تمنٍ تأكيدًا لما في نفسه من حبٍّ لوليه في قوله ... (البيت 3) :

إن كان يجمعنا حبٌ لغرتِهِ ... فليت أنَّا بقدر الحبِّ نقتسمُ

وبعد أن يخرج الشاعر ما في داخله من ألم ممض في الأبيات السابقة تفاجئنا أبياته التالية بصراع نفسي داخلي لذاته يتَّضح من خلال الربط بين شكوى شديدة من الأمير إلى استرضاء وليه في أبيات مدحية وهي قوله (البيتان 4 - 5) :

قد زرتُهُ وسيوفُ الهند مغمدةٌ

وقد نظرت إليه والسيوفُ دمُ

فكان أحسنَ خلق الله كُلّهِمِ

وكان أحسنَ مافي الأحسن الشِّيمُ

إنَّه انتقال مفاجئ بمقاييس منطق الفكر , ولكنَّه انتقال طبيعي بمقاييس منطق النفس الذي لا يخضع للمقدمات والنتائج بل يبيح المتناقضات. فقد انتقل الشاعر هذا الانتقال خضوعًا لموقف تمليه عليه الظروف التي تتعارض مع ما يجيش في نفسه من الألم , بل إنَّ هذا الانتقال المفاجئ هو التمهيد الحقيقي لما أملته لباقة المتنبي عليه في استرضاء وليه , استرضاء مؤقتًا.

لقد كان أبو الطيب خاضعا لعاطفتين نفسيتين متناقضتين: إحداهما تملي عليه فكرة المدح لترضي أميره , والأخرى خفية في نفسه تجيش بغضبه عليه. ولقد أنقذته شاعريته البارعة بما قال من مدح , ولكنَّ عقله الباطن تحكَّم في قوالب الصياغة لهذا المدح , فجاءت أبياته التالية نقدًا وتأنيبًا , وإن مُلئت بالمدح والثناء. يقول (الأبيات 6 - 9) :

فوتُ العدو الذي يَمَّمتهُ ظفرٌ

في طيِّه أسفٌ في طيِّه نعمُ

قد ناب عنك شديدُ الخوف واصطنعتْ

لك المهابةُ ما لا تصنع البُهمُ

ألزمتَ نفسك شيئا ليس يلزَمُها

أن لايواريَهُمْ أرضٌ ولاعلمُ

أكلَّما رمت جيشًا فانثنى هربًا

تصرَّفت بك في آثارِهِ الهممُ؟

هذه الصيغ وهذه القوالب التعبيرية التي صاغها الشاعر , ما هي إلا صيغ من يشير بإصبعه إلى من أتى أمرًا يُلام عليه , وإن كانت محتويات هذه الصيغ قد تضمَّنت مدحًا وإطراء , فهي قوالب التعبير عن التقريع والتأنيب التي يصوغ فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت