فهرس الكتاب
إن مشروع العراق، كما أرى، كان أشبه بمشروع محمد علي باشا في مصر في القرن التاسع عشر، لقد تطلع هذا القائد الطموح لبناء دولة عربية قوية تضم مصر والسودان وبلاد الشام وحتى الجزيرة العربية. وكان عليه، من أجل تنفيذ ذلك، أ ن يعتمد عدة أسس تجعله ينجح في ذلك، فاهتم بالتعليم اهتمامًا واسعًا، فأقام العديد من المنشآت التعليمية من مدارس ومعاهد اختصاصية مع إرسال بعثات علمية متنوعة إلى فرنسا. كما اهتم بالزراعة والتصنيع، فأنشأ معامل للأسلحة والذخائر، وأسس جيشًا حديثًا، وأقام دورًا لصناعة السفن، وغير ذلك من منشآت جعلت من مصر دولة قوية يُحسب حسابها.
وقد رأى محمد علي أن مصر وحدها لا تستطيع أن تشكل دولة قوية قادرة على مجابهة الدول الغربية، والوقوف في وجه أطماعها، إلا بتأسيس دولة عربية كبيرة تضم مصر وبلاد الشام والسودان والجزيرة العربية، وقد تحقق له ذلك.
ولكن محمد علي غالي في طموحاته، وتقدم خطوات إلى الأمام، هي أبعد من قدراته وإمكاناته، إذ وصل ابنه إبراهيم بفتوحاته إلى عمق الدولة العثمانية، وأصبح طريق الأستانة أمامه مفتوحًا، إنما في المحصلة حصد نتيجة حساباته وتقديراته واندفاعه الحماسي. فقد سارعت بريطانيا الدولة العظمى في القرن التاسع عشر، وبالتعاون مع الدولة العثمانية إلى الضغط على جيوش محمد علي، وبالتالي هزيمته وانسحابه من بلاد الشام. وعلى إثر ذلك عُقد مؤتمرُ لندن الثاني عام /1841/، حيث تم تحجيم محمد علي ودولته ضمن حدود مصر والسودان، ومنعه من بناء السفن الحربية، وتحديد عدد الجيش المصري بثمانية عشر ألفًا فقط، مع دفع عائدات سنوية للسلطان العثماني.