فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 68

اروني مفسدا يقول: أنا مفسد ،وما هو الاّ مفسد إلا انه يتراءى في صورة الحق، أو يرى الباطل حقا ،نعم ما من أحد يقول: مخيضي حامض .. فلا تأخذوا شيئا إلاّ بعد إمراره على المحك، لأن أقوالا مغشوشة مزيفة قد كثرت في تجارة الأفكار .. حتى كلامي أنا لا تأخذوه على علاّته - بحسن ظنكم - لأنه صادر عني فقد أكون مفسدًا أو افسد من حيث لا اشعر، فعلى هذا تيقظوا ! ولا تفتحوا الطريق إلى القلب لكل طارق. فليظل ما أقوله لكم في يد خيالكم ،واعرضوه على المحك ،فإن ظهر انه ذهب فأرسلوه إلى القلب، واحفظوه هناك، وان ظهر انه نحاس، فاحملوا على عاتق ذلك الكلام المنحوس كثيرًا من الغيبة وشيعوه بسوء الدعاء علي وردوه خائبًا إلي .

إن الذي عرف الحق ،لا يستبدله بشيء ،لأن شأن الحق رفيع وسام ما ينبغي أن يُضحى به لأجل أي شيء كان..

إن قطرات المطر ولمعات النور كلما بقيت متفرقة وظلت متناثرة ،جفت بسرعة وانطفأت حالًا . فينادينا رب العزة سبحانه قائلًا: ( ولا تفرقوا ) ( أل عمران: 103 ) (لا تقنطوا ) ( الزمر:53 ) ليحول بيننا وبين الانطفاء والزوال .

إن القلب أو الوجدان الذي لم يتزين بالفضائل الإسلامية لا ترجى منه الحمية الحقة والوفاء الصادق والعدالة الخالصة . ولكن لان الصنعة غير الفضيلة، فقد يقوم الفاسق برعي الأغنام جيدًا، وقد يصلح شارب الخمر ساعة بإتقان حين لا يكون سكران، ولكن وا أسفى على ندرة الذين جمعوا النورَين معًا: نور القلب ونور الفكر، أو بعبارة أخرى الفضيلة والصنعة، فهم نادرون لا يكفون لملء الوظائف، فإذن إما الصلاح وإما المهارة .. وإذا تعارضا فالمهارة مرجحة في الصنعة .

فيا للعجب إن الشريعة التي نهت عن تعذيب نملة وأمرت ألا تداس عمدًا . أتهمل حقوق بني آدم ؟ كلا ! .. ولكن نحن الذين لم نمتثل الشريعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت