فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 3

قَهوةُ الإفطار

عبد الله بن سُليمان العُتَيِّق

في لحظةٍ يَرتفعُ فيها الإعلامُ الرباني مُعلنًا للنفوسِ المؤمنةِ أن تُطلِقَ لنفسها العنانَ بَعد أن قامتْ بالإمساكِ نهارَ ذاك اليوم _ و كُلِّ يوم _ فتلتقمُ رُطَبًَا طيبةً، و تطرُقُ بابَ ربٍّ رحيمٍ، فرحها بإدراك تلك الساعة لا يقلُّ شأنًا عن فرحها ببلوغِ الشهرِ.

تَرتَشِفُ بِشفاهٍ طيبةٍ طاهرةٍ آنيةً صغيرةً جميلةً، ذاتَ أشكالٍ لطيفةًٍ، تحتوي قهوةً عربيةً، أصيلةَ العِشْرَةِ بالعربيِ، تلك القهوة التي أخذتْ من الأباءِ و الأجدادِ قلوبَهم فصيَّرُوها ضراتٍ غيرَ ضارَّاتٍ لآزواجهم، و جعلوها عشيقةً يتقصَّدونها بأشعارِهم، و يتنافسون في تجويدِها.

راقَتْ لي يومًا و أنا أرتشفُ منها رشفةً تشنَّفت الأُذنُ بصوتِ معناها، موحيةً إليَّ خطابًا حُلوًا جميلًا، أدرَكْتُ المعنى المرسول، و فَقَهْتُ المنقول، فكانَ أن كتبتُ، و قيدتُ، فنظرتَ، فقرأتَ.

النَّبْتَةُ: القهوةُ نباتٌ، يُدفَنُ، فيُسْقى بَذْرُه، فينمو، بعد زمنٍ مُقدَّرٍ لَه، و في زمنٍ مُعَيَّنٍ، و ليست كلمحِ البصرِ بَرَزَتْ، كما أنها لن تنبُتَ بجودةٍ ما لم تَذُقْ طعمَ الدَّفْنِ.

فَدَفْنُ الشئِ و إخمالُه ليكون ظهوره بجودةٍ و قوةٍ كمالٌ، إذِ الدَّفنُ حُسْنٌ في التربية، و كمالٌ في الإنباتِ، و الزَّرْعُ دونَ دفنٍ هلَكة.

فليَكُن مِنَّا دَفْنُ أمورنا، و كتمانُ أسرارنا، فإذا حانَ زمنُ الحصادِ كان النتاجُ طيبًا، و الثمر مأكولًا، و بالضِّدِ ضِدٌّ.

و ما كلُّ ما دُفِنَ مُمْتَهَنٌ، فالدرُّ في الصَّدَفِ، و الصَّدَفُ في قاع البحرِ، و لا يَصِلُ عُمْقَ البحر إلا ماهرُ غَوصٍ، فالكريمُ يُخفَى كي لا يُمتَهَن.

التحميس: تُقتَطَفُ القهوةُ ذات لونٍ نباتي، فتُوْضَع على نارٍ لِتُحَمَّسَ، و نادرًا ما تُرتَشف دون تحميسها، فكمالُ لذتِها في إحراقِها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت