كما أن لهذه البردة اسمًا آخر هو البرأة؛ لأن البوصيري كما يزعمون برئ بها من علته، وقد سميت كذلك بقصيدة الشدائد؛ وذلك لأنها- في زعمهم- تقرأ لتفريج الشدائد وتيسير كل أمر عسير.
وقد زعم بعض شراحها أن لكل بيت من أبياتها فائدة؛ فبعضها أمان من الفقر، وبعضها أمان من الطاعون [1] .
يقول محمد سيد كيلاني- أثناء حديثه عن المخالفات الشرعية في شأن البردة-:
(ولم يكتف بعض المسلمين بما اخترعوا من قصص حول البردة، بل وضعوا لقراءتها شروطًا لم يوضع مثلها لقراءة القرآن، منها: التوضؤ، واستقبال القبلة، والدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابها، وأن يكون القارئ عالمًا بمعانيها، إلى غير ذلك. ولا شك في أن هذا كله من اختراع الصوفية الذين أرادوا احتكار قراءتها للناس، وقد ظهرت منهم فئة عرفت بقراء البردة، كانت تُستدعى في الجنائز والأفراح، نظير أجر معين) [2] .
وأما عن مناسبة تأليفها فكما قال ناظمها: (كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم اتفق بعد ذلك أن أصابني خِلْط فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة، فعملتها، واستشفعت بها إلى الله في أن يعافيني، وكررت إنشادها، وبكيت ودعوت، وتوسلت ونمت، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليّ بردة، فانتبهت ووجدت فيّ نهضة؛ فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحدًا، فلقيني بعض الفقراء فقال لي: أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: أيّها؟ فقال: التي أنشأتها في مرضك، وذكر أوّلها، وقال: والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يتمايل وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردة، فأعطيته
(1) :انظر"المدائح النبوية"لزكي مبارك (ص197) .
(2) :"مقدمة ديوان البوصيري" (ص29 - 30) .