فهرس الكتاب
وأما سبب أنه لم يعرف الكتابة والمكتوب، فلأجل أنه كان أميًا لا يقرأ الكتاب الصناعي، وإنما يروم معرفة قراءة الخط الإلهي الذي هو أبين وأدل على الفهم منه. وأما مخاطبة الناظر الكاغد وهو: جماد فسبق الكلام على مثله، ومراجعة الكاغد له فعلى قدر حال الناظر إن كان مرادًا، فيلقى الكلام في الحس بما ينبئه عن المطلوب من الحق، وهو من باب الإلقاء في الروع فيودعه الحس المشترك المحفوظ فيه على الإنسان صور الأشياء المحسوسة، وإن كان مريدًا فيتلقاه بلسان الحال المسموع بسمع القلب بواسطة المعرفة والعقل، وتصديق الناظر للكاغد في عذره وإحالته على الحبر لم يكن لمجرد قوله، بل بشهادة أولي الرضا والعدل وهو البحث والتجربة لم تكن وشهادة النفس، وهذا يسلك إلى القدرة وهو آخرها سئل عن أجزاء عالم الملك. وأما ما سمعته في حدّ عالم الجبروت فذلك من القدرة المحدثة إلى العقل والعلم الموجودين في الإنسان المستقرة في القوة الوهمية المدركة جميع ما لا يستدعي وجوده جسمًا، ولكن قد يعرض له أنه في جسم، كما تدرك السخلة عداوة الذئب وعطف أمها فتتبع العطف وتنفر من العداوة. وأما ما سمعته في حد عالم الملكوت وذلك من العلم الإلهي إلى ما وراء ذلك مما هو داخل فيه ومعدود منه، فسر القلب الذي يأخذ به عن الملائكة ويسمع به ما بعد مكانه ورق معناه وعزب عن القلوب من جهة الفكرة بصوره، فأما أي شيء حقائق هذه المذكورات وما كنه كل واحد منها على نحو معرفتك لأجزاء عالم الملك والشهادة، فذلك علم لا ينتفع بسماعه مع عدم المشاهدة، والله قد عرفك بأسمائها؛ فإن كنت مؤمنًا فصدق بوجودها على الجملة لعلمك أنك لا تخبر بتسميات ليس لها مسميات إلى أن يلحقك الله بأولي المشاهدة وتحصل خالص الكرامات. ومن كفر فإن الله غني حميد.
والفرق بين العلم المحسوس في عالم الملك وبين العلم الإلهي في عالم الملكوت: أن العلم قد اعتقدته مجسمًا بطيء الحركة بالفعل، سريع الانتقال بالهلاك مخلفًا عن مثله في الظاهر، مجعولًا تحت قهر سلطان الآدمي الضعيف الجاهل في أكثر أوقاته، متصرف بين أحوال متنافية كالعلم والجهل والعدل والظلم والشك والصدق والإفك؛ فالعلم الإلهي عبارة عن خلق الله في عالم الملكوت، مختص بخلاف خصائص الجواهر الحسية الكائنة في عالم الملك، يرى من أوصاف ما سمي به القلم المحسوس كليًا مصرفًا بتميز الخالق بحكم إرادته على ما سبق به علمه في أزل الأزل، وإنما سمي بهذا الاسم لأجل شبهه بعمل ما سمي به، غير أنه لا يكتب إلا حقائق الحق، والفرق بين يمين الآدمي ويمين الله عز وجل أن يمين الآدمي كما علمت مركبة من عصب استعصى بقاؤها، وعضل تعضل أدواؤها، وعظام يعظم بلاؤها ولحم ممتد وجلد غير جلد موصولة، كمثلها في الضعف والانفعال ملقبة باليد وهي عاجزة على كل حال، ويمين الله تعالى هي عند بعض أهل