كتاب بلوغ المرام
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأسأله سبحانه وتعالى أن يرزقني وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعلني وإياكم من الهداة المهتدين، وأن يرزقنا علما نافعا وعملا صالحا آمين إنه جواد كريم.
سيكون الدرس كما هو معلوم"كتاب بلوغ المرام"من كتاب النكاح.
النكاح مصدر نكح ينكح نكاحا، وهو في اللغة معناه الضم والتداخل، وقد اختلف أهل العلم في النكاح هل يطلق على العقد حقيقة وعلى الوطء مجازا أو بالعكس أو عليهما حقيقة أو هو من باب المشترك اللفظي بمعنى أن الحقيقة مختلفة؟ والصواب في مثل هذه الألفاظ التي يكون فيها قدر مشترك الصواب أن تجعل من باب المتواطئ، بمعنى أنه يطلق حقيقة على كل منهما، ولا يقال: إنه حقيقة في العقد، حقيقة في النكاح، وهذا هو الأصل؛ لأن الأصل في الألفاظ الحقيقة، لكن يكون كل لفظ له ما يخصه، بمعنى أن يكون المعنى العام مشتركا بينهما، ويكون لكل لفظ معنى خاص يخصه كما يقال في أسمائه سبحانه وتعالى وصفاته وما يطلق عليه وعلى خلقه من السمع والبصر وأنه سميع بصير وأن العبد سميع بصير، إن هذه الألفاظ من باب المتواطئ وإلا لم تفهم حقيقتها.
كذلك أيضا باب كلمة النكاح أو النكاح، فهو معناه في اللغة الضم والتداخل فيكون بينهما القدر المشترك وهو مطلق الضم ومطلق التداخل، فيكون في باب الوطء من باب الضم الحسي والتداخل الحسي بين الزوجين، ويكون في باب العقد من باب الضم المعنوي بمعنى أنه يضم كلمة أن يضم الإيجاب إلى القبول، وأنه لا يصح النكاح والعقد إلا بوجود الإيجاب والقبول، فهو ضم للألفاظ في جهة المعنى ضم بعضها إلى بعض، أو ضم العقد بعضه إلى بعض، فيحصل بذلك مسمى النكاح حقيقة في الوطء، وكذلك في عقد النكاح.
قال بعضهم: إنه لم يأت مسمى الوطء أو الجماع في الكتاب العزيز إلا في قوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [1] أما ما سوى ذلك من الآيات فالمراد بها العقد، وقال آخرون: أيضا إنه حتى في هذه الآية فالمراد بها العقد، المراد في قوله: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [2] وإن كان لا يجوز أن يتزوج زوجته الأولى التي
(1) - سورة البقرة آية: 230.
(2) - سورة البقرة آية: 230.