فهرس الكتاب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
فيقول الإمام الحافظ ابن حجر-رحمه الله تعالى-: وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت:"أرسل النبي - بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة، قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت"رواه أو داود، وإسناده على شرط مسلم
حديث عائشة اختلف في ثبوته، منهم من استنكره، ومنهم من ضعفه، والمصنِّف -رحمه الله- رأى أن سنده مستقيم وجوَّده، وقال: إن إسناده على شرط مسلم، وعلى هذا إذا كان سنده مستقيما، ولا نكارة فيه، بعضهم استنكره، من جهة أنه جاء في بعض الألفاظ، أنه -عليه الصلاة والسلام- أمر أم سلمة أن توافيه صلاة الفجر في مكة، وهذا اللفظ لا شك أن فيه غرابة ونكارة؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- في صلاة الفجر في مزدلفة يوم النحر، وماذا يصنع في مكة؟ كما قال الإمام أحمد -رحمه الله-.
فنفس إذنه لها -عليه الصلاة والسلام- ورميها وإفاضتها، هذا لا غرابة فيه، ولا نكارة فيه، وهو شاهد لما سبق، من جهة أنه يجوز التقدم بالخروج من المزدلفة، ورمي الجمرة والطواف، ولا شك أن هذه المسافة من الخروج من المزدلفة، ثم رمي الجمرة، ثم الإفاضة ثم الرجوع إلى منى، أنها وقت طويل، ويحتاج إلى وقت طويل، خاصة من أم سلمة -رضي الله عنها-، وفي مشيها ومسيرها على دابتها، هذا يبين أنها خرجت من وقت مبكر، لا يكون من قريب من آخر الليل، أو من ثلث الليل.
فهذا شاهد لما سبق، ولما ذهب إليه الجمهور، من جهة، أنه يجوز الخروج من مزدلفة قبل الزوال، وأن هذا عام لعموم الحجاج، سواء كانوا قادرين، أو عندهم ضعف من ضعفة النساء والأطفال، وسبق ذكر شواهد في هذه المسألة، تدل على هذا الأصل، وأن أمر الحج مبني على التيسير، وأنه -عليه الصلاة والسلام- في هذا وفي غيره، ما سئل عن شيء إلا ورخص فيه، فيما يكون للرخصة فيه مجال، ومن ذلك إذنه لأم سلمة، فرمت وأفاضت، ذلك وكل ذلك كان قبل الفجر.