الصفحة 89 من 367

الشيطان: قال الله تعالى: [شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ] [1] فجعل الشياطين من الإنس كمثل شياطين الجن ، فأما عند العامة فإن الشياطين هم الجن بأعيانهم ، وكل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان ، ويقول العرب لكل منفرد بقوته وجلده ، مستقل بنفسه ، منهمك في أمره: شيطان ، قال جرير:"من البسيط"

أيام [2] يَدعونَني الشَيطانَ مِن غَزَلي وَكُنَّ يَهوَينَني إِذ كُنتُ شَيطانا

كنّ يدعونه شيطانا ؛ لتفرده بأفعال الشياطين من الغزل وغيره ، وانهماكه فيه ، وتفرده بذلك ، والشيطان تقديره فَيْعَال ، والنون من نفس الكلمة ، كأنه اشتق من شَطَنَ ، أي: بَعُد ، والشَّطَن البُعد ، من ذلك: شطنت داره ، أي بعدت ، ونؤي شطون، وبئر شطون ، أي بعيدة القعر، وفي الحديث: ( كلُّ هوىً شاطِنٍ في النّار) [3] فالشاطن البعيد من الحق ، وقيل: إنما سمي شيطانا لأنه شطن عن أمر / ربه ، والشَّطون: البعيد النازح ، وقال أمية بن أبي الصلت:"من الخفيف"32ب

... ... أَيُّما شاطِنٌ عَصاهُ عَكاهُ ثُمَّ يُلقى في السِجنِ وَالأَغلالِ [4]

فجاء به على فاعل من شطن أي بَعُد ، فكأن شياطين الإنس والجن هم المستبدون بقوتهم ، المنفردون بأنفسهم ، المتباعدون عن الحق ، المنتحون عن الطريق ، لا ينقادون لأحد استعلاء وترفعا وإعجابا بأنفسهم ، وقيل لكل صانع حاذق بصنعته: شيطان ؛ لأنه منفرد بعمله وحذقه ، لا يُعطي القيادة أحدا في عمله ، فمن كانت صفته هذه من الجن والإنس ، فهو شيطان ، وليس الشياطين جنس من الخلق على الانفراد مثل الجن والإنس ، إنما لزم هذا الاسم كل من كانت صفته هذه من الثقلين 0

(1) الأنعام 112

(2) في الديوان: أزمان يدعونني ، ديوان جرير ، ص453

(3) النهاية في غريب الحديث والأثر ( شطن )

(4) ديوانه / الموسوعة الشعرية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت