فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 219

لاحظتُ أن كلامه لا يتوافق مع كلامها .. فأدركت أنه يفعل ذلك لكيلا يحرج نفسه ..

انتهت مكالمته .. جعلت ألتفت إلى الحاضرين وأتخيل أن واحدًا منهم سأله:

من كلمك؟ وماذا يريد منك؟ ولماذا تغير وجهك بعد المكالمة .. ؟!!

لكن الله رحِمَه لأن أحدًا لم يتدخل فيما لا يعنيه ..

ومثله لو زرت مريضًا .. فسألته عن مرضه .. فأجابك بكلمات عامة: الحمد لله .. شيء بسيط .. مرض صغير وانتهى .. أو نحرها من العبارات التي لا تحمل جوابًا صريحًا .. فلا تحرجه بالتدقيق عليه: عفوًا .. يعني ما هو المرض بالضبط؟ وضح أكثر .. !! ماذا تعني .. !! ونحو ذلك ..

عجبًا!! ما الداعي لإحراجه .. ؟ من حسن إسلام المرء تركه ما يعنيه .. يعني .. تنتظر أن يقول لك: أنا مريض بالبواسير .. أو مصاب بجرح في .. أو ..

ما دام أنه أجاب إجابة عامة فلا داعي للتطويل معه ..

ولا أعني بهذا عدم سؤال المريض عن مرضه؟ إنما أعني عدم التدقيق في الأسئلة ..

ومثله .. الذي ينادي طالبًا أمام الناس في مجلس عام .. ويسأله بصوت عالٍ:

هاه يا أحمد .. نجحت ..

فيقول: نعم ..

فيسأله: كم نسبتك؟ كم ترتيبك في الفصل؟

إن كنت صادقًا في اهتمامك به فاسأله على انفراد بينك وبينه ..

ثم لا داعي للتدقيق .. كم نسبتك .. لماذا لم تذاكر .. لماذا لم تقبل في الجامعة .. إن كنت مستعدًا لإعانته فقف معه جانبًا وحدثه بما تريد .. أما نشر غسيله أمام الناس .. فلا ..

قال - صلى الله عليه وسلم: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ..

لكن انتبه!! لا تعط الموضوع أكبر من حجمه ..

سافرت إلى المدينة النبوية قبل مدة .. كنت مشغولًا بعدد من المحاضرات ..

فاتفقت مع شاب فاضل أن يأخذ ولدي عبد الرحمن وأخاه بعد العصر إلى حلقة تحفيظ أو مركز صيفي ترفيهي .. ويعيدهم بعد العشاء ..

كان عبد الرحمن في العاشرة من عمره .. خشيت أن يسأله ذلك الشاب من باب الفضول أسئلة لا داعي لها .. ما اسم أمك؟ أين بيتكم؟ كم عدد إخوانك؟ كم يعطيك أبوك من المال؟

فنبهت عبد الرحمن قائلًا: إذا سألك سؤالًا غير مناسب .. فقل له: قال - صلى الله عليه وسلم: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه .. وكررت عليه الحديث حتى حفظه ..

ركب عبد الرحمن وأخوه .. مع الشاب .. كان عبد الرحمن مشدودًا متهيبًا ..

قال الشباب متلطفًا: حياك الله يا عبد الرحمن ..

فأجابه بحزم: الله يحييك ..

أراد الشاب المسكين أن يلطّف الجو .. فقال: الشيخ عنده محاضرة اليوم؟!

حاول الولد أن يتذكر الحديث فلم تسعفه ذاكرته .. فصرخ قائلًا: لا تتدخل فيما لا يعنيك!!

قال الشاب: لا .. أقصد .. بل حتى أحضر وأستفيد ..

فظن عبد الرحمن أنه يتذاكى عليه: فأعاد الجواب: لا تتدخل فيما لا يعنيك ..

قال الشاب: عفوًا عبد الرحمن أعني ..

فصرخ عبد الرحمن: لااااا تتدخل فيما لا يعنيك!!

ولم يزل هذا حالهما حتى رجعا!!

أخبرني عبد الرحمن بالقصة مفتخرًا .. فضحكت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت