الصفحة 47 من 85

فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلا وَاللَّهِ [1] مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ [2]

(1) مَعْنَاهَا النَّفْي وَالإِبْعَاد

(2) ثُمَّ اِسْتَدَلَّتْ عَلَى مَا أَقْسَمَتْ عَلَيْهِ مِنْ نَفْي ذَلِكَ أَبَدًا بِأَمْرٍ اِسْتِقْرَائِيّ وَصَفَتْهُ بِأُصُولِ مَكَارِم الأخْلاق لأنَّ الإحْسَان إِمَّا إِلَى الأقَارِب أَوْ إِلَى الأجَانِب ، وَإِمَّا بِالْبَدَنِ أَوْ بِالْمَالِ ، وَإِمَّا عَلَى مَنْ يَسْتَقِلّ بِأَمْرِهِ أَوْ مَنْ لا يَسْتَقِلّ ، وَذَلِكَ كُلّه مَجْمُوع فِيمَا وَصَفَتْهُ بِهِ .

وَالْكَلّ:هُوَ مَنْ لا يَسْتَقِلّ بِأَمْرِهِ كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ( وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ ) .

وتَكْسِب الْمَعْدُوم: وَالْكَسْب هُوَ الاسْتِفَادَة ، وتُكسب بضم أوله ، المعنى كَأَنَّهَا قَالَتْ:

إِذَا رَغِبَ غَيْرك أَنْ يَسْتَفِيد مَالًا مَوْجُودًا رَغِبْت أَنْتَ أَنْ تَسْتَفِيد رَجُلًا عَاجِزًا فَتُعَاوِنَه . وقيل: مَعْنَاهُ مَا يَعْدَمهُ غَيْره وَيَعْجِز عَنْهُ يُصِيبهُ هُوَ وَيَكْسِبهُ . قَالَ أَعْرَابِيّ يَمْدَح إِنْسَانًا: كَانَ أَكْسَبَهُمْ لِمَعْدُومٍ , وَأَعْطَاهُمْ لِمَحْرُومٍ وَتَكْسِب"بِفَتْحِ أَوَّله , وَهَذِهِ الرِّوَايَة أَصَحّ . وَهَذِهِ الرَّاجِحَة وَمَعْنَاهَا تُعْطِي النَّاس مَا لا يَجِدُونَهُ عِنْد غَيْرك ومَعَ إِفَادَته لِلْمَالِ يَجُود بِهِ فِي الْوُجُوه الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْمَكْرُمَات ."

وَقَوْلهَا"وَتُعِين عَلَى نَوَائِب الْحَقّ"هِيَ كَلِمَة جَامِعَة لأَفْرَادِ مَا تَقَدَّمَ وَلِمَا لَمْ يَتَقَدَّم وَفِي رِوَايَة"وَتَصْدُق الْحَدِيث"وَهِيَ مِنْ أَشْرَف الْخِصَال . وَفِي رِوَايَة"وَتُؤَدِّي الأَمَانَة".

فآنست النبي - صلى الله عليه وسلم - و طمأنته و بشرته بأن من يفعل هذا الخير فإن الله تعالى لا يكله إلى شر يؤذيه ، و هذا من تمام عقلها فهي لم تفزع و لم تروع و لم تخوف زوجها الحبيب وتفسر ما حدث له بالشر ولم تدع بالويل والثبور كما يفعل النساء

في الشدائد ، فكيف جمعت هذه المرأة العظيمة هذا الثبات وتلفظها بمثل هذه الكلمات التي لا تصدر إلا عن من زكى الله عقله و روحه ، ولم تكتفِ بذلك بل ذهبت بالنبي إلى ورقة و هو الذي عنده علم من الكتاب لتتثبت من الأمر وما وجدوا عنده إلا الخير والبشري بإن الذي جاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو جبريل - صلى الله عليه وسلم - المكلف بالوحي إلى الأنبياء والمرسلين .

ومَعْنَىكَلام خَدِيجَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا إِنَّكَ لا يُصِيبك مَكْرُوه لِمَا جَعَلَ اللَّه فِيك مِنْ مَكَارِم الأَخْلاق وَكَرَم الشَّمَائِل . وَذَكَرَتْ ضُرُوبًا مِنْ ذَلِكَ وَفِي هَذَا دَلالَة عَلَى أَنَّ مَكَارِم الأَخْلاق وَخِصَال الْخَيْر سَبَب السَّلامَة مِنْ مَصَارِع السُّوء . وَفِيهِ تَأْنِيس مَنْ حَصَلَتْ لَهُ مَخَافَة مِنْ أَمْر وَتَبْشِيره وَذِكْر أَسْبَاب السَّلامَة لَهُ .

وَفِيهِ أَعْظَم دَلِيل وَأَبْلَغ حُجَّة عَلَى كَمَال خَدِيجَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا،وَجَزَالَة رَأْيهَا،وَقُوَّة نَفْسهَا،وَثَبَات قَلْبهَا،وَعِظَم فِقْههَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت