فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 6

وبالجملة فالقلب الصحيح هو الذي همه كله في الله وحبه كله له وقصده له وبدنه له وأعماله له ونومه له ويقظته له وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه الخلوة به آثر عنده من الخلطة إلا حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له قرة عينه به وطمأنينته وسكونه إليه فهو كلما وجد من نفسه التفاتا إلى غيره تلا عليها

(يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية )

فهو يردد عليها الخطاب بذلك ليسمعه من ربه يوم لقائه فينصبغ القلب بين يدي إلهه ومعبوده الحق بصبغة العبودية فتصير العبودية صفة له وذوقا لا تكلفا فيأتي بها توددا وتحببا وتقربا كما يأتي المحب المقيم في محبة محبوبه بخدمته وقضاء أشغاله

فكلما عرض له أمر من ربه أو نهي أحس من قلبه ناطقا ينطق لبيك وسعديك إني سامع مطيع ممتثل ولك علي المنة في ذلك والحمد فيه عائد إليك

وإذا أصابه قدر وجد من قلبه ناطقا يقول أنا عبدك ومسكينك وفقيرك وأنا عبدك الفقير العاجز الضعيف المسكين وأنت ربي العزيز الرحيم لا صبر لي إن لم تصبرني ولا قوة لي إن لم تحملني وتقوني لا ملجأ لي منك إلا إليك ولا مستعان لي إلا بك ولا انصراف لي عن بابك ولا مذهب لي عنك

فينطرح بمجموعه بين يديه ويعتمد بكليته عليه فإن أصابه بما يكره قال رحمة أهديت إلي ودواء نافع من طبيب مشفق وإن صرف عنه ما يحب قال شرا صرف عني

وكم رمت أمرا خرت لي في انصرافه+ وما زلت بي منى أبر وأرحما

فكل ما مسه به من السراء والضراء اهتدى بها طريقا إليه وانفتح له منه باب يدخل منه عليه كما قيل

ما مسني قدر بكره أو رضى+ إلا اهتديت به إليك طريقا

أمض القضاء على الرضى منى به +إني وجدتك في البلاء رفيقا

ولله هاتيك القلوب وما انطوت عليه من الضمائر وماذا أودعته من الكنوز والذخائر ولله طيب أسرارها ولا سيما يوم تبلى السرائر

سيبدو لها طيب ونور وبهجة +وحسن ثناء يوم تبلى السرائر

بالله لقد رفع لها علم عظيم فشمرت إليه واستبان لها صراط مستقيم فاستقامت عليه ودعاها ما دون مطلوبها الأعلى فلم تستجب إليه واختارت على ما سواه وآثرت ما لديه"."

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا قلوبا صحيحة خاشعة منيبة راضية مرضية ترجو رحمته وتخاف عذابه إنه هو الرحمن الرحيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت