فهرس الكتاب
-ومثل ذلك حدث لأبي الدرداء مع معاوية؛ فعن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بَاعَ سِقَايَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا إِلا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا أَرَى بِمِثْلِ هَذَا بَأْسًا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ مُعَاوِيَةَ، أَنَا أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ؟! لا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَنْتَ بِهَا، ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَنْ لا تَبِيعَ ذَلِكَ إِلا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَزْنًا بِوَزْنٍ (1) [63] ).
-الأساس الشرعي التعليمي لارتفاع حدة الإنكار:
ولعل هذه الحدة في الإنكار عندما يبعد مأخذ أحد طرفي الخلاف، مطلوبة أحيانًا ما دامت لا تؤثر على حقوق الأخوة، ووحدة الجماعة المسلمة... وذلك لتنبيه الطرف الآخر لبعد مأخذه، وضرورة مراجعته لموقفه.. وهذا أسلوب نبوي كريم متبع في التعليم والتنبيه، ومما يشهد له قول النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد رضي الله عنهما عندما قتل الرجل الذي نطق بالشهادة عملًا بمصلحة متوهمة: «يَا أُسَامَةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ» قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا.. فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (2) [64] ).
وهذا الموقف يدل على أمور، منها:
1-أن الحدة قد تكون مطلوبة في الإنكار، إنْ ضعف مأخذ أحد طرفي الخلاف.
(1) 63]) الموطأ، 2/ 643 .
(2) 64]) البخاري، 4/ 1555 .