فهرس الكتاب
وأما العقل، فإن كل ما سبق يطبع العقل على وجود الخلاف، حتى أن الشخص الواحد قد يخالف رأيًا ارتآه بالأمس في دليلٍ شرعي، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مسألة (المُشَرِّكة) حيث اختلف قضاؤه فيها عنه قبل عام: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي (1) [51] ).
واستقرار حقيقة عدم زوال الخلاف بين الناس يوسع صدور المسلمين لاحتماله (2) [52] ) خاصةً ما كان سائغًا، وينبغي أن تقوم مناهج التربية على تطبيع المسلمين على هذه الحقيقة وتقبلها، والتعامل معها وفق الشرع بمختلف أقسامها.
ويظهر من كلام من تشدد في ذم الخلاف مطلقًا أنه يعني النزاع والفرقة وليس مجرد الاختلاف في الرأي مع بقاء عصمة الأخوة وحقوقها (3) [53] ) بل إن الاختلاف قد يكون نعمةً في ذاته ما دام في حدوده المنضبطة لم يخرج إلى نزاع أو اقتتال، ولذا ألف السيوطي كتابه: (جزيل المواهب في اختلاف المذاهب) .
(1) 51]) أخرج الدارمي «… عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَتَيْنَا عُمَرَ فِي الْمُشَرَّكَةِ فَلَمْ يُشَرِّكْ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ الْعَامَ الْمُقْبِلَ فَشَرَّكَ، فَقُلْنَا لَهُ، فَقَالَ: تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا، وَهَذِهِ عَلَى مَا قَضَيْنَا» .
(2) 52]) فقه الخلاف بين المسلمين، ص46 .
(3) 53]) انظر مثلًا: الاختلاف رحمة أم نقمة، ص12 .