فهرس الكتاب
ويلحظ مما سبق أن أيًّا من الفقهاءلم يُصرِّح بأن المعيار المعتبر هو النص، بل حقيقة قولهم أن جعلوا نص المذهب مقدمًا على النص الإلهي أو النبوي الصحيح (!) وذلك لا لأن نصوص المذاهب تخالف النص، بل لأنه قد صار من المعلوم بالضرورة أن نصوص المذاهب ووجوهها وطرقها إنْ هي إلا محاولاتٌ استنباطية للحوادث والمسائل الفقهية من النص، وإن كان التعبير - عند بعضهم- عن هذه المسألة بـ «الإلزام المذهبي» مع أنه نصٌ في النهاية غير سائغٍ من الناحية (المنهجية) الأدبية والعلمية أمام النص، على أنه يوجد في نصوص المذاهب اختلافاتٌ تعبر عنها الوجوه والطرق، والاختيارات، تؤول في الأخير إلى الاختلاف في فهم النص، فلماذا تعسير الطريق والرجوع إلى نصٍ غير معصومٍ تعددت وجوهه لما فيه من خلاف في المذهب الواحد؟
ولا يُفهم من هذه الملحوظة أن الأئمة يُقدمون النص المذهبي على النص؛ بل المحمل الحسن الواجب لهم - وهو الواقع منهم - هو اعتقاد أن النص المذهبي يُعبر عن الفهم للنص فذهبوا إليه مباشرة دون أن يُعبروا عن ذلك بالقول مثلًا: معيار الإنكار هو مذهب المحتسَب عليه في فهمه للنص.
وتدل العبارات الواردة في كلام الأئمة، من مثل: «أن يكون ذلك المذهب بعيد المأخذ بحيث ينقض، (أن يكون الخلاف ضعيفًا) ، (ألا يكون معتبرًا) ، (وهو ما ليس له حظٌ من النظر…) » على معنىً واحد هو أن الإنكار في المختلف فيه ينتفي إن كان الخلاف قويًا، ويُثْبَتُ إذا كان الخلاف ضعيفًا (غير معتبرٍ، بعيد المأخذ..) ، ولكن الإشكال هو في معيار الضعف، فقد يكون الخلاف عندك ضعيفًا، وعند غيرك قويًا (!)
ومع ذلك، فإن إجماع الأئمة منعقدٌ على عدم الأخذ بإطلاق هذه القاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف) ، وعلى عدم اعتبار الخلاف حكمًا.