فهرس الكتاب
وهنا قضية نعتبرها على غاية من الأهمية وهي: أن الاعتراف (بالآخر) وبرأيه كواقع لا يعني إطلاقًا إقراره على ما هو عليه، ولا إعطاءه شهادة بصواب ما هو عليه، حسبه أن ذلك اختياره ورأيه ومسؤوليته، فالله سبحانه وتعالى يقول: (( نُوَلّهِ مَا تَوَلَّى ) ) (النساء:115) ، سواء في ذلك الخلاف الداخلي مع الذات أو الاختلاف مع (الآخر) ، لأن مظان الخلاف موجودة من الناحية النظرية، وواقعة من الناحية العملية، ويبقى أن الآيات المحكمات، قطعية الدلالة، تشكل الرؤية المشتركة الواحدة، أو القاعدة التي يقوم عليها البناء الفقهي والفكري والعقدي، وفي الوقت نفسه تشكل الضابط المنهجي والإطار المرجعي للآيات ظنية الدلالة -كما أسلفنا- وهذا من نعم الله تعالى أنه لم يصبّ العقول البشرية في قوالب واحدة ويجيئ البشر منمطين مستنسخين، وإنما جعل العقل سبيل طلاقة وانطلاق وحرية واجتهاد، وجعل النص المحكم دليل العقل إلى المعرفة ووسيلة الوحدة وقيام المشترك الثقافي.
وإذا أحسنا إدارة الخلاف، وتحلينا بأدبه، تحول إلى خلاف تنوع وتكامل وتعاون ونمو، وأصبح علامة صحة، وإثراء وإغناء للمسيرة، وإفادة من جميع العقول، وما شرعت الشورى إلا كآلية لإدارة ذلك والاستفادة من جميع الخبرات، حتى الاستفادة من خبرات (الآخر) .. فالحكمة ليست حكرًا على شخص أو على أمة أو على مرحلة تاريخية دون سواها، ولكنها ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.
أما إذا فشلنا في إدارة الخلاف، تحول إلى تضاد وتبعثر وتفرق، وأصبح خطرًا ماحقًا.