الصفحة 39 من 111

ولا يعرف بالتدقيق مسار التقليد الشفوي الذي اندمج في آخر المطاف مع التدوين السابق عليه، من أجل هدف معين هو الحفاظ على روح النص المدون وطريقة تأليفه، دون أن يأخذ بعين الاعتبار الترتيب الزمني ومصداقية وقوع الأحداث في سياقه (76) .

إن مكونات التوراة ـ التي بين أيدي الناس في عصرنا هذا ـ لغة وكتابة ومضمونًا، وتقاليد وعادات وأعرافًا، كانت كلها تُسْتَقَى من حضارات قديمة وآداب سابقة، بل وعقائد متقدمة عن زمن موسى بكثير، صاغها المدونون لتكون تاريخًا مسترسلًا يبدأ بالخلق، ثم يتناول تاريخ العبريين في مصر، ثم خروجهم منها تحت إمرة موسى، ثم موت هذا الرسول العظيم.

هذه هي الصيغة في بساطتها، ويمكن ردها إلى عناصرها الأولى على ضوء علم الحفريات والنقد اللاهوتي، فكل سفر يتركب من عناصر تجد أصولها في أعمال سابقة تعلقت بالأحداث والشرائع، ثم صيغت على عِلاتِها صياغة متأخرة، لِتُكَوِّنَ هذا الذي أصبح توراتًا أو أخماسًا. فمصادر تلك التوراة متداخلة، ومنها:

1.المصدر"اليهوي": وفيه استعمل الكتبة أو المدونون في النص لفظ"يهوه"عَلَمًا على اسم الرب.

2.المصدر"الإلوهي": وفيه استعملوا لفظ"إلهيم"عَلَمًا على اسم الرب.

وقد جمعت أساسيات هذين المصدرين في بدء حكم سليمان.

3.تثنية الاشتراع، وتؤرخ بنهاية عهد الملكية: وهي في حقيقة أمرها إعادة لصياغة التشريعات التي نظَّم موسى بمقتضاها بني إسرائيل في منطقة موآب، والمرتفعات التي تتاخم الحدود الشرقية لفلسطين. وهي أيضًا إعادة نظر في كل التشريعات التي عمل بمقتضاها العبريون في شبه جزيرة سيناء، وواحة قديش.

4.المصدر الكهنوتي: ويتضمن كل التشريعات الكهنوتية الخاصة بالكهنة والهيكل والأحداث التاريخية من الوجهة الطقوسية. واكتملت بنية هذا المصدر في فترة السبي البابلي.

ولنبسط الأمر أكثر لكي نفهم معنى تداخل هذه المصادر، يمكننا أن نتصور أن رواية لأحداث قد دَوَّنَهَا مُدَوِّنٌ على حدة ورمز لها بـ J.E ( يهوه) ، ورواية أخرى منفصلة عنها وفي نفس الموضوع، دونها مدون آخر على حدة ورمز لها بـ (إلهيم) ، ثم ثالثة دونها آخر على حدة ورمز لها بـ (تثنية الاشتراع) ، ورابعة دونها رابع أيضا على حدة ورمز لها بـ (كهنوت) ، وكلها تدور حول نفس الأحداث وتتضمن نفس المواضيع. وبعد حقب من الزمان قام مُحَرِّرٌ أو جماعة من المؤرخين بدمج الروايات بعضها في بعض، ووضعوا في العبارة الواحدة قسمًا من رواية يهوه، وآخر من رواية إلهيم، وفقرة من مصدر التثنية، ورابع من المصدر الكهنوتي، وذلك لأسباب قد تكون قومية أو شخصية أو ثقافية ... إلخ. وتكون من هذا الخليط مدونة التوراة الموجودة بين أيدينا، متجردة عن الشفافية اللازمة لبيان معاني الرسالة التي نزلت على موسى، عليه الصلاة والسلام. ذلك أن أصل تلك الرسالة كان لا يتعدى مقدار كتابة لوحين، ثم بدأ التدوين بعد زمان تعرضت فيه ذاكرة المدونين لتراكم الأحداث وتداخل التواريخ وتشابه الوقائع واضطراب ترتيبها، فطرأت زيادات على النصوص الأصلية وإسقاطات منها، وجاءت المعاني متناقضة، وورد في النص ما لا يقبله العقل، كالتجسيم وبعض الصفات التي وصف بها الآباء والأنبياء (77) .

هكذا إذًا توصل نقد التوراة إلى هذه الحقيقة التي بدأ البحثَ فيها ابن حزم الأندلسي، وتتلمذ عليه فيها أبراهام بن عزره وسلسلة أعلام اليهود الأندلسيين ومن سار على طريقهم فيما بعد، ثم Spinoza و Welhausen و Astruc و Eichhorne و Riehm و Lagrange و Vaux De. والمكتشفات التي عثر عليها في تل العمارنة (بمصر) ورأس الشمرة والبحر الميت وجزيرة سيناء، وفي غيرها من الأماكن، كلها أدلة على أن أصل الرسالة لم يعد يمثل في التوراة إلا آثارًا باهتة الصورة.

والكشوف الغزيرة التي أبانت عن تقاليد وعادات وأشخاص لم تكن على عهد موسى، بل كانت في عهود سابقة عليه بزمان طويل، وَلَّدَت لدى علماء اللاهوت نظرًا حائرًا. ولكن التقليد المسيحي رأى أن من واجبه أن يقول كلمته الأخيرة، ولعل هذه الفقرة تلخصها:"إن التقليدين اليهودي والمسيحي ينسبان إلى موسى وضع التوراة، وترى لجنة الكتاب المقدس في روما أنه لحد الساعة لا يمكن للبراهين التي قدمها نقد القرن التاسع عشر والتي بمقتضاها أَرَّخُوا للمصادر الأولى للتوراة بعهد مملكة إسرائيل (ق 9 و 8 ق. م) لا يمكن أن تكون كافية لتغيير ما كان عليه اعتقاد التعاليم الكاثوليكية. ولا تزال هذه التواريخ في الحقيقة لا تتعدى الفرضيات، غير أن لجنة الكتاب المقدس تعترف بأن تدوين التوراة يمكن أن يتصور أنه قد كان بواسطة جماعات من الكتبة تحت إمرة موسى، وكان يُسْمَحُ بالنظر في عمل كل جماعة من"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت