الصفحة 86 من 111

وينددان بالكفر، وقصص للعبرة والذكرى. وأما المدني ففيه خطاب للمؤمنين، وتشريع للعبادات وأحكام للمعاملات، وحث على الجهاد، وتنديد بالمنافقين، وفيه جدال أهل الكتاب، مع استمرار الوعد والوعيد.

نشأة علم القراءات

إن من آيات إعجاز القرآن حفظه الذي تكفل به الحق سبحانه وتعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (سورة الحجر، الآية 9) . ولقد تمثل هذا الحفظ في نقله متواترًا عبر الأجيال، منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا. ففي عهد النبوءة كان جبريل ينزل بآيات القرآن وسوره كُلَّمَا أمره الله بذلك، وكان يتعهد ما نزل من القرآن بالمراجعة مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان من كل سنة. وفي آخر سنة من حياته عرضه عليه مرتين إيذانًا بأنها العرضة الأخيرة (31) . وحفظها عنه مجموعة من علماء الصحابة، منهم: الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ومشاهير القراء المعروفين، ومنهم: عبد الله بن مسعود، وأبَيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو الدرداء، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن أبي السائب المخزومي.

وبعد هؤلاء اشتهرت مجموعة ممن وقفوا حياتهم على قراءة القرآن وإقرائه، منهم: عبد الله بن عياش المخزومي، والمغيرة بن أبي شهاب، وعبد الله بن حبيب السلمي، وأبو العالية الرياحي، ويزيد بن القعقاع المدني، وشيبة بن نصاح، وشيوخ أئمة القراءة في الأمصار، والذين تواترت قراءاتهم وحروفهم، بعدما دونها ابن مجاهد البغدادي في كتاب السبعة.

وكان من شدة اعتناء القراء بحفظ القرآن وضبط نقله وروايته، أن وضعوا في القراءات علمًا مستقلًا، ألفت فيه مئات المصنفات التي تتضمن قواعده الأساسية التي بني عليها تدقيق النص القرآني عن طريق اللغة، وصحة النقل الشفهي في الإسناد، وتوثيق الرسم في المصاحف. وهذه الأصول الثلاثة حررها المحقق ابن الجزري في قوله:

وكل ما وافق وجه النحو ... وصار للرسم احتمالًا يحوي

وصح إسنادًا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان

* الركن الأول: سلامة اللغة:

نظرًا لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وكان معجزًا لكفار العرب أهل الفصاحة والبلاغة، فقد تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، مصداقًا لقوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا} . (سورة الإسراء، الآية 88) .

ومن أجل ذلك استبعد القُرَّاء كل ما يخالف قواعد العربية، فاعتبروا من القراءات الشاذة قراءة {الحمد للَّه رب العالمين} (سورة الفاتحة، الآية 1) بكسر الدال، أو بضم لام الجر. غير أنهم قبلوا كل ما له وجه نحوي إذا صح إسناده، مثل قراءة حمزة بن حبيب الزيات، {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} (سورة النساء، الآية 1) بخفض الأرحام، لجواز العطف على ضمير الجر.

ويدخل في هذا الركن قبول القراءات المتنوعة بحسب صيغ أداء القبائل العربية للحروف، استنادًا إلى الحديث الصحيح القائل بأن القرآن أُنْزِلَ على سبعة أحرف. ومن روايات هذا الحديث ما رواه الإمام مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال: >سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها، فكدت أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أُنْزِلَتْ، ثم قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أُنْزِلَتْ. إن هذا القرآن أُنْزِلَ على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه< (32) .

وحديث الأحرف السبعة متفق على صحته، مختلف في لفظه وتفسيره. وقد روى الشيخان من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: >أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف< (33) . وله روايات وطرق أخرى متقاربة في المتن والمعنى (34) .

واتفق العلماء على أن القصد هو التخفيف على الأمة، ولكنهم اختلفوا كثيرًا في معنى الأحرف، فكان كل فريق من العلماء يفسر حديث الأحرف السبعة حسب تخصصه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت