قال القرطبي- رحمه الله- في تفسيره"الجامع لإحكام القرآن (7/ 365) عند هذه الآية: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} : أي تسكن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله وإن كانوا يخافون الله، فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما يفعله جُهّال العوامّ، والمبتدعة الطغام [1] من الزعيق والزئير، ومن النُّهاق الذي يشبه نُهاق الحمير."
فيُقال لمن تعاطى ذلك، وزعم أن ذلك وجْدٌ وخشوع: لم تبلغ أن تساوي حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا حال أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ في المعرفة بالله، والخوف منه والتعظيم لجلاله، ومع ذلك كان حالهم عند المواعظ الفهم عن الله، والبكاء خوفًا من الله، ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه، فقال: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة:83] ، فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم، ومَن لم يكن كذلك فليس على هديهم، ولا على طريقتهم، فمن كان مُسْتنًَّا فلْيَسْتَن بهم، ومن تَعاطى أحوال المجانين والجنون، فهو من أخسِّهم حالًا، والجنون فنون.
وروى الترمذي عن العرباض بن سارية - رضي الله عنه - قال:
"وعظَنَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب .."الحديث
ولم يقل: زعقنا، ولا رقصنا، ولا زَفَنَّا [2] ولا قمنا. أهـ باختصار.
(1) الطغام: أي أراذل الناس وأوغادهم.
(2) زَفَنَ: رقص، وأصله الدفع الشديد والضرب بالأرجل، كما يفعل الراقص.