لَقَدْ أَوْجَزْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَازِمٍ! ارْفَعْ حَوَائِجَكَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! قَدْ رَفَعْتُ حَوَائِجِي إِلَى مَنْ لا تُخْتَزَلِ الْحَوَائِجُ دُونَهُ؛ فَمَا أَعْطَانِي مِنْهَا قَنِعْتُ بِهِ، وَمَا مَنَعَنِي مِنْهَا رَضِيتُ، وَقَدْ نَظَرْتُ فِي هَذَا الأَمْرِ؛ فَإِذَا هُوَ نِصْفَانِ: أَحَدُهُمَا لِي، وَالآخَرُ لِغَيْرِي؛ فَأَمَّا مَا كَانَ لِي؛ فَلَوِ احْتَلْتُ فِيهِ بِكُلِّ حِيلَةٍ مَا وَصَلْتُ إِلَيْهِ قَبْلَ أَوَانِهِ الَّذِي قُدِّرَ لِي فِيهِ، وَأَمَّا الَّذِي لِغَيْرِي؛ فَذَلِكَ الَّذِي لا أُطْمِعُ نَفْسِي فِيمَا مَضَى، وَلَمْ أطعمها فِيمَا بقي، وَكَمَا مُنِعَ غَيْرِي رِزْقِي كَذَلِكَ مُنِعْتُ رِزْقَ غَيْرِي؛ فَعَلَى مَا أَقْتُلُ نَفْسِي؟!. ابن عبد البر: المجالسة وجواهر العلم 8/ 149.
ولي في فناء الخلق أكبر عبرة***لمن كان في بحر الحقيقة راقي
شخوصُ وأشكالُ تمر وتنقضي***فتفنى جميعًا والمهيمن باقي
وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يجمع العلماء فيتذكرون الموت والقيامة والآخرة، فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة!!.
وكان أبو العالية رفيع بن مهران قد أعدَّ لنفسه كفنًا، وكان يلبس كفنه كل شهر مرة ثم يرده إلى مكانه، ولقد أوصى سبع عشرة مرة وهو صحيح معافى. وكان يحدد لكل وصية أجلا؛ فإذا جاء أجلها نظر فيها .. فإما أنْ يعدلها، وإما أنْ يبدلها، وإما أنْ يمضيها.
وكان الربيع بن خثيم قد حفر في داره قبرًا، فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فاضطجع، ومكث ما شاء الله، ثم يقول:"قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) سورة المؤمنون. يرددها، ثم يرد على نفسه: يا ربيع! قد رجعتَ فاعمل."
رأيتُ الدهرَ مُختلفًا يدور * * * فلا حُزن يدوم ولا سرور
وقد بنت الملوكُ بهِ قصورًا * * * فلم تبقَ الملوك ولا القصور
قال الأَصْمَعِيِّ؛ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ هَارُونُ الرَّشِيدُ وَقَدْ زَخْرَفَ مَجَالِسَهُ وَبَالَغَ فيها وفي بنائها، ووَضَعَ فِيهَا طَعَامًا كَثِيرًا، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَى أَبِي الْعَتَاهِيَةِ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: صِفْ لَنَا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ نَعِيمِ هَذِهِ الدُّنْيَا؛ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: