الدكتور راغب السرجانى
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم أما بعد؛
فإنَّه في يوم 2 من ربيع الأول في سنة 897 هجرية، الموافق 2 يناير سنة 1492 ميلادية وقَّع أبو عبد الله محمد الصغير -آخر ملوك الأندلس من المسلمين- معاهدة الاستسلام, وذلك بعد قتل انتفاضة المسلمين التي قامت بين ربوع غرناطة -آخر معاقل المسلمين في الأندلس-، وخرج أبو عبد الله الصغير من مدينة غرناطة، ووقف علي تلٍ من التلال القريبة من قصر الحمراء -قصر الحكم في غرناطة- وهو يبكي وينتحب، فقالت له أمه عائشة الحرة:"أجل فلتبكِ كالنساء ملكًا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال"، وخرج المسلمون بذلك من الأندلس خروجًا نهائيًا بعد أن حكمت بالإسلام ثمانية قرون، غير أن الأيام تحمل معها مفاجآتٍ كثيرةٍ فتلك البلاد التي حُكمت بالإسلام هذه المدة الطويلة لا يعيش فيها الآن من المسلمين إلا حوالي مائة ألف مسلمٍ فقط، فهي من أقل بلاد العالم تعدادًا للمسلمين، وهو درس لابد أن يفقهه المسلمون.
وكأني ألحظ دهشة تعلو الوجوه!, لماذا الحديث عن الأندلس؟ أليس موضوع الكتاب خاص بـ"فلسطين"؟! نعم.. يدور حديثنا هنا عن فلسطين، ولكن العلاقة وثيقة جدا بين قضية فلسطين الحالية وبين الأندلس الماضية.. سبحان الله.. مع تباعد الزمان وتباعد المكان فإن العلاقة وثيقة بين الأندلس وبين فلسطين؟ ولعلنا ندرك ذلك من خلال هذه الملاحظة وهي في غاية الأهمية: