ولهذا لم يعين الله ليلتها ليحصل الجد في تحريها، وليظهر صدق عبودية من يلتمسها.
ولم يغيب الله علمها بإطلاق رفقًا بعباده ورحمة. وإنما حددها في ليلة مبهمة من عشر ليال آخر الشهر، فليس من الشاق على العبد أن يجتهد في العبادة عشر ليال، ومضمون له أن يوافق ليلة القدر في إحداهن.
واعلموا ـ أيها الأحباب ـ أن المواسم الخيرة تبهم في زمان معين كساعة الإجابة في يوم الجمعة للملمح الذي ذكرته لكم.
واعلموا ـ أيها الأحباب ـ أن الخلاف في تعيين ليلة القدر بلغ أربعين قولا.
وهكذا يكون التشتت في ابتغاء تعيين ما لم يقض الله بتعيينه لخلقه.
والذي أوصي به كل مسلم أن يعتقد جازمًا بلا تردد أن لا سبيل إلى احتمال أن ليلة القدر في ليلة معينة بأي دلالة شرعية. وأنه لا مطمح للعبد في موافقة ليلة القدر بيقين لا شك فيه إلا إذا اجتهد في العبادة واعتبر كل ليلة من العشر الأواخر ليلة قدر، فها هنا لن يخيب، وسيكون وافق ليلة القدر حتما.
وإنما قلت لا دلالة في نصوص الشرع البتة على أن ليلة القدر في ليلة معينة ـ وإن ورد النص بأنها في الوتر من العشر الأواخر ـ لعدة براهين ضرورية لا محيد عنها:
أولها: أن المسلم لا يعلم بداية العشر الأواخر من رمضان حتى يطلع هلال شوال.
فيحتمل أن يكون الشهر ثلاثين يوما فتكون ليلة واحد وعشرين أولى ليالي العشر الأواخر، وتكون ليالي الوتر ليالي 21، و 23، و25، و27، و 29.
ويحتمل أن يكون الشهر تسعة وعشرين يوما فتكون ليلة عشرين أولى ليالي العشر الأواخر، وتكون ليالي الوتر من ليالي العشر الأواخر ليلة 20، و 22، و 24، و 26، و 28، و30.
وكل هذا لا سبيل إلى العلم به إلّا بعد هلال شوال، والعلم بليالي الوتر بعد ذلك لا ينفع من أضاع ليالي من العشر يحسبها غير وتر فكشف طلوع هلال شوال عن كونها وترا.