المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِل له، ومَن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تكفل بحفظ القرآن، وصانه عن التحريف والخطأ والنسيان وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير من صلى وصام وقرأ القرآن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون) .. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) .. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) ..
وبعد ..
فقد أنزل الله عز وجل القرآن الكريم في ليلة مباركة هي خير الليالي، ليلة اختصها الله عز وجل من بين الليالي، ليلة العبادة فيها هي خير من عبادة ألف شهر وهي ثلاث وثمانين سنة وثلاثة أشهر تقريبًا، ألا وهي ليلة القدر، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [1] .وقال تعالى: (حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) [2] .
فإن ليلةَ القدرِ ليلةٌ كثيرةُ الخيرِ، شريفةُ القدرِ، عميمةُ الفضلِ، متنوِّعةُ البركات. ولعظمها أنزل فيها القرآن العظيم , لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: لما حضر رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قد جاءكم رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرها فقد حُرِم ) ) [3] .تتنزل الملائكة في هذه الليلة، والروح -أي جبريل- ينزلون مع كثرة الرحمة وكثرة البركات التي تنزل في تلك الليلة. وليلة القدر كلها سلام وخير وبركة ليس فيها شر حتى يطلع فجر اليوم الذي يليها [4] . وفي قوله تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) [5] . يقول ابن كثير: أي في ليلة القدر
(1) . سورة القدر.
(2) .سورة الدخان.
(3) . أخرجه النسائي في الصيام، باب: فضل شهر رمضان (2105) ، وأحمد (2/ 230) ، وعبد الرزاق (7383) ، وله شاهد من حديث أنس عند ابن ماجه في الصيام، باب: ما جاء في فضل شهر رمضان (1644) ، وحسّنه المنذري في الترغيب (2/ 99) ، وقال الألباني في صحيح الترغيب (999) :"صحيح لغيره".
(4) .انظر: تفسير ابن كثير عن كلامه على سورة القدر.
(5) .سورة الدخان (آية 4)