فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 17

قلت: يقول المرجئة لمخالفيهم ظلما وزورا وبهتانا أنهم تكفيريون [1] ، أو يقولون إنهم خوارج [2] دون حجة تذكر وإذا ذكرت لم تفهم على منهج السلف بل على منهج الخلف،

(1) إذا كان التكفير بحق وهو الذي تشهد له الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، فنحن تكفيريون، أما إذا كان التكفير خلاف ذلك فنبرأ إلى الله عز وجل منه، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا. (رواه مسلم) .

ومن العجب العجاب أن يطلق بعض الجهال أو الذين وجهوا من بعض الحكومات والدول وأجهزتها الأمنية أو ما يسمى بالمخابراتية على مخالفيهم أنهم تكفيريون (كالمرجئة في هذا العصر) لينفروا الناس من التوحيد وأهله، في حين أن (البابا اللعين) عندما قدم إلى الأردن أصبح موحدا عند الطواغيت وأذنابهم، فلم نسمع واحدا منهم ينكر المقالات التي أطلقت على البابا النصراني اللعين التي تخر لها الجبال هدّا، فوصفوه بأنه أخ - والعياذ بالله - مستدلين بكلام سيد المرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم - (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) . فأقول: أي أخوة بيننا وبين النصراني اللعين الذي شتم واعتدى على سيدنا وقائدنا النبي العظيم محمد - صلى الله عليه وسلم -، فالشاتم إذا كان مسلما فإنه يصبح مرتدا بالإجماع، فكيف بنصراني مشرك نجس، قال الله عز وجل عنه وعن أمثاله: (إنما المشركون نجس) . وورد في السنة الغراء قول نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم - قال: (المسلم أخو المسلم) رواه البخاري مبينا لقول الله عز وجل: (إنما المؤمنون أخوة) سورة الحجرات، فيفهم من هذه النصوص أنه لا أخوة أبدا بين المسلمين الموحدين وبين أعداء الملة والدين من اليهود والنصارى ومن سار على دربهم إلى يوم الدين.

ومن المجمع عليه تكفير اليهود والنصارى وباقي المشركين، فمن شك في كفرهم فقد كفر، قال الله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) المائدة. وقال صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) رواه مسلم. كيف لا والله تبارك وتعالى يقول: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) ،وهناك طائفة من أهل الزيغ والكفر يلبسون على الناس في دينهم وذلك بأنهم قد توقفوا عن تكفير النصارى مستدلين بآيات بينات وقفوا عند جزء منها ليلووا بذلك أعناق النصوص فهم كالذين قرؤوا قول الله عز وجل: (فويل للمصلين) ولم يكملوا باقي الآيات التي تدل على المراد وهي (الذين هم عن لاتهم ساهون، الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون) . فعودا بنا الى الآيات التي بترها المحرفون، قال تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ(82) )، فقال أصحاب الزيغ: إن الله عز وجل قال: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) إذا النصارى يحبون المؤمنون وفيهم قسيسون ورهبان وأنهم لا يستكبرون عن طاعة الله عز وجل فلا نستطيع أن نكفرهم بنص القرآن. قلنا لهم يا أعداء الله أكملوا باقي الآيات فإن هذه الطائفة المذكورة طائفة من النصارى تابت من شركها ومن كفرها بدليل باقي الآيات التي بعدها (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86 ) ) ثم لنزيد الأمر بيانا فإن الله تعالى يقول: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ) 19 آل عمران. وقال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) 85 آل عمران.

قلت: ومن المعلوم أن الدعوة الى التقارب ما بين الأديان ردة كبرى مخرجة من ملة الإسلام.

(2) قلت: الخوارج الضلال الأنجاس الأرجاس يكفرون بالكبيرة - عياذا بالله تعالى - وقد خالفوا بذلك أهل السنة والجماعة، أما الخروج الشرعي عند أهل السنة إذا تحققت شروطه فنعم الخروج.

الأول: أن تروا، فلا بد من علم، مجرد الظن لا يجوز الخروج على الأئمة، لا بد أن نعلم.

الثاني: أن نعلم كفرا لا فسقا، الفسوق مهما فسق ولاة الأمور لا يجوز الخروج عليهم، لو شربوا الخمر، لو زنوا، لو ظلموا الناس، لا يجوز الخروج عليهم، لكن إذا رأينا كفرا صريحا يكون بواحا.

الثالث: الكفر البواح، وهذا معناه الكفر الصريح، والبواح الشئ البين الظاهر، فأما ما يحتمل التأويل فلا يجوز الخروج عليهم، يعني لو قدرنا أنهم فعلوا شيئا نرى أنه كفر، لكن فيه احتمال أنه ليس بكفر، فإنه لا يجوز أن ننازعهم أو نخرج عليهم ونولهم ما تولوا.

لكن إذا كان بواحا صريحا مثل لو أن ولي من ولاة الأمور قال لشعبه: إن الخمر حلال، اشربوا ماشئتم، وإن اللواط حلال تلوطوا ما شئتم، وإن الزنا حلال ازنوا بمن شئتم، فهذا كفر بواح ما فيه إشكال، هذا يجب على الرعية أن يزيلوه بكل وسيلة ولو بالقتل، لأن ها كفر بواح.

قلت: الآن أصبحوا يرخصون دور الخنا والزنا وشرب الخمور بالقانون الوضعي المزعوم جهارا نهارا، وهذا يدل على الإستحلال فقوانينهم الكفرية تبيح الزنا على قارعة الطريق ومن يتعرض لهم منكرا عليهم فإنها في القانون جريمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام، وكذلك استحلوا الربا، فرخصوا للبنوك الربوية، فهذا كله يدل على أنهم استحلوا ما حرم الله تعالى (وأهل السنة يقولون عن المعاصي: لانكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) .

الشرط الرابع: عندكم فيه من الله برهان، يعني عندنا دليل قاطع على أن هذا كفر، فإن كان الدليل ضعيفا في ثبوته، أو ضعيفا في دلالته، فإنه لا يجوز الخروج عليهم، لأن الخروج فيه شر كثير جدا ومفاسد عظيمة. فهذه إن شئتم فقولوا ثلاثة شروط، وإن شئتم فقولوا أربعة: أن تروا، كفرا، بواحا عندكم فيه من الله برهان، هذه أربعة شروط.

وإذا رأينا هذا مثلا فلا تجوز المنازعة حتى تكون لدينا قدرة على إزاحته، فإن لم يكن لدينا قدرة فلا تجوز المنازعة، لأنه ربما إذا نازعنا وليس عندنا قدرة يقضى على البقية الصالحة وتتم سيطرته.

فهذه الشروط شروط للجواز أو للوجوب - وجوب الخروج على ولي الأمر - لكن بشرط أن يكون لدينا قدرة، فإن لم يكن لدينا قدرة فلا يجوز الخروج، لأن هذا من إلقاء النفس في التهلكة. (شرح رياض الصالحين للشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - المجلد الأول، صفحة 709)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت