ولكن فضل الله على أُمة الإسلام كبير، إذ حفظ للمسلمين أُصول الشريعة في القرآن والسُنّة الصحيحة، حتى تظل الشريعة حجة على العالم، وحكمًا فصلًا في التنازع البشري، فلا تتعكر بانحرافات الناس، وبخاصة العوام، ولا تتأثر بمؤثرات الزمان، حفظًا لشعلة الحق أن تنطفئ، ولميزان العدالة أن ينخفض، ولبرج الصلاح أن ينهدم وينهار: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ) ) (1) .
وفي سبيل الحفاظ على الوحي الإلهي الأخير، يهيئ الله تبارك وتعالى صوت الإصلاح الداوي بين الحين والآخر، وإن صاحبه بعض الأخطاء، لأن المصلح بشر، لتعهد الله عز وجل بحفظ الذكر المبين، فتثير حركة الإصلاح رعب الجبناء، وتقض مضاجع الأدعياء، وتهز أركان الجهل وكيان الجهلة، وتزلزل مواقع النفعيين: (( إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة، على رأس كل سنة، مَنْ يجدد لها دينها ) ) (2) .
فيشرق وجه الحياة الأنضر من جديد، وترسو سفينة الإيمان في بر الأمان والاستقرار عند المتعلقين الواعين، وتتضح الرؤية التي عتمتها غياهب الظلام، ويصحو الغافلون، ويستيقظ الراقدون.
(1) أخرجه مسلم (1920) من حديث ثوبان. وهو حديث صحيح متواتر، انظر (الجامع الصغير، نظم المتناثر في الحديث المتواتر للشيخ جعفر الكتاني: ص 93) .
(2) أخرجه أبو داود (4291) ، والحاكم 4/522، والبيهقي في"المعرفة"1/422 من حديث أبي هريرة، وهو صحيح.