وهكذا، فإنه إذا ما قدَّم الناقدان السابقان دراستين متباينتين حول أبي نواس ، بدءًا من تباين العقدتين النفسيتين اللتين انطلق كل ناقد من إحداهما ، فلا يُفتَرَض بالنتائج التي توصَّل كل منهما إليها أن تقتصر ـ هي الأخرى ـ على التباين ، وإن بدا هذا أمرًا تلقائي الحدوث ، بل ربما تدخلان إطار التكامل ، بناءً على حمل كل منهما جزءًا من الحقيقة المتعلقة بالشاعر ، أو إطار الاحتمالين الاثنين اللذين يتفاوتان في درجة وضوحهما ما بين متلقٍّ وآخر ، وما يعني هذا كله من تشكيل الدراستين المذكورتين من تمهيد للمزيد من الدراسات التي من شأنها أن تقدم المزيد من التكاملات ، أو الاحتمالات ، سواء أضِمن المجال النفسي ذاته أم سواه. أو بعبارة أكثر تحديدًا ووضوحًا: إن حب الخمرة لدى أبي نواس ، إذا ما شكّل ـ وفق منظور النويهي ـ محاولة من الشاعر للتعويض عن حنان الأم الذي فقده ، ووفق منظور العقاد محاولة من الشاعر للتباهي وإثبات الذات ، فإن هاتين النتيجتين ليس ضروريًا أن تظهرا متناقضتين متباعدتين مندرجتين ضمن مقولة: إما هذه وإما تلك ، إنما ربما ضِمن هذه وتلك معًا ، أو ربما ضِمن هذه بنسبة معينة وتلك بنسبة معينة يحددها كل متلقٍّ ، أو كل باحث بمفرده وفقًا لما يرى .
أما بالنسبة إلى الذين يتفاوتون في درجات تقبلهم لتطبيق المنهج النفسي بصورة عامة ، ولا سيما على الأدب القديم ، فلا يمكن الإدلاء إلا بأن هذا المنهج ـ وبغضّ النظر عن مدى رجاحته ومنطقيته ـ لا يُهدَف من خلاله في النهاية ـ شأنه شأن أي منهج آخر ـ إلا إلى سبر واحد من أسرار الأدب ، واحد من حقائقه التي ستبقى بحاجة إلى مثل ذلك ، بناءً على إغتناء العالم الأدبي بها ، وتفاوتها ضمنه في درجات وضوحها.
المراجع:
1-أبو نواس، الحسن بن هانئ ح هـ. الديوان، حققه وضبطه وشرحه أحمد عبد المجيد الغزالي، دار الكتاب العربي، بيروت، د ـ ت.