الصفحة 104 من 141

ولما تكفل هذا الكلام من التثبيت بإنجاز المرام أمر بالإعراض عن ارتقاب النصر والاشتغال بتهذيب النفس موجهًا الخطاب إلى أعلى الخلق ليكون من دونه من باب الأولى فقال (واستغفر لذنبك) أي من كل عمل كامل ترتقي منه إلى أكمل، وحال فاضل تصعد به إلى أفضل [1] فيكون ذلك شكرًا منك فتستن به أمتك، ولما أمره بالاستغفارعند الترقية في درجات الكمال أمره بالتنزيه عن كل شائبة، والإثبات لكل رتبة كمال، لافتًا القول إلى صفة التربية والإحسان، لأنه من أعظم مواقعها فقال: (وسبح بحمد ربك) لكونه المحسن إليك المربي لك فلا تشتغل عنه بشيئ، وإنما"جعل الأمران معطوفين على الأمر بالصبر لأن الصبر هنا لانتظار النصر الموعود ولذلك لم يؤمربه لما حصل النصر في قوله: (إذا جاء نصر الله والفتح) فقد اكتفى بقوله (فسبح بحمد ربك واستغفره) لأن ذلك مقام محض الشكر دون الصبر" [2] .

وفي أمره - - صلى الله عليه وسلم -بالاستغفار تعريض بأن أمته مطالبون بذلك بالأحرى فهو أشبه ما يكون بقوله: (ولقد أوحى إليك وإلى الذين قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك.. الزمر/65) ، وفي الأمر به وبالتسبيح دلالة على أنهما داخلان في سياق التفريع على الوعد بالنصر إيذانًا بتحقيقه وكناية رمزية عن كونه واقع لا محالة [3] .

(1) وتسميته ذنبًا من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهو أمر بأن يطلب من الله المغفرة التي تقتضيها النبوة، لكونه سبحانه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو في معنى اسأل الله دوام العصمة لتدوم المغفرة، وهذا مقام التخلية عن الأكدار النفسية.

(2) التحرير 24/ 171مجلد 11.

(3) ينظر نظم الدرر 6/525 والتحرير 24/170، 171مجلد 11والظلال5/3087، 6/3786.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت