الدرس الرابع والأربعون
قصة إسلام عمرو بن العاص وبيعته مفصلة
73 -عن شماسة المهري، قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت [1] ، فبكى طويلًا وحول وجهه نحو الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ فأقبل بوجهه، وقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، وإني قد كنت على أطباق ثلاث [2] . لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مني، ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يَدِيَ، فقال: (( مالك يا عمرو؟ ) )قال: قلت: أريد أن أشترط، قال: (( تشترط بماذا؟ ) )قلت: أن يغفر لي قال: (( أما علكت أن الإسلام يهدم ما قبله [3] ، وأن الهجرة تهدم ما قبلها وأن الحج يهدم ما قبله؟ ) )، وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له [4] ، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مت، فلا تصحبني نائحة [5] ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا التراب شنا [6] ، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم،
(1) أي عند موته حال احتضاره.
(2) أي على ثلاثة أحوال.
(3) أي يغفر لصاحبه جميع ما عمل من معاصي في حال كفره.
(4) أي لم أكن أطيل النظر إليه احتراما له.
(5) النائحة: التي ترفع صوتها عند المصيبة، وهذا محرم.
(6) أي صبوا علي التراب. وروي (( سنوا ) )بالسين المهملة، والمعنى: صبوا بسهولة. ينظر شرح مسلم للنووي 2/ 137 - 139.