فهرس الكتاب
وقال عمر الحدوشي: وأذكر أنني قرأت في كتاب: (الطبقات السنية) (1/ 28/31) بزنزانتي الانفرادية بالسجن المحلي بطنجة شروطًا اشترطها السبكي في المؤرخ والمجرح، ونظمتها في أبيات ستة، أقول فيها:
واشترَط السبكيْ على المؤرخ * أربعةً من الشروط الصارخ
يُعتَمَدُ اللفظُ وليس المعنى * وأن يكون صادقًا في المبنى
لا يَعتَمِدْ نقلًا جرى مُذاكرهْ * وبعده يكتبه مغامرَهْ
رابعها: المنقول عنه يَذْكُرُهْ * زِدْ حُسْنَ لفظٍ وكذا تصوُّرُهْ
وغلِّبِ العدلَ عن الهوى تفز * بِجَنةٍ محبةَ القوم تَحُزْ
واسلُك طريقَ الوصفِ والإنصافِ * والضبط والتحقيق والتوصيفِ
فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولًا، ولكنه يأتي إلى مَن يبغضه فينقل جميعَ ما ذكر من مذامه، ويحذف كثيرًا مما يراه من ممادحه، ويعكس الحالَ فيمن يحبه، ويظن المسكين أنه لم يأت بذنب، فإنه لا يجب عليه تطويل ترجمة أحد، ولا استيفاء ما ذكر من ممادحه.
ولا يظن المغتر أن تقصيره لترجمته بهذه النية استزراء به، وخيانة لله ولرسوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وللمؤمنين في تأدية ما قيل في حقه من حمد وذم.
قلت: وهذا كمن يسمع الحكمة وغيرها فلا يحدث إلا بشر ما سمع
ثم قال التاج:"إن من يرتكب ما تقدم كمن يذكر بين يديه شخص، فيقول: دعونا منه، أو: إنه عجيب، أو: الله يصلحه، فيظن أنه لم يغتبه بشيء من ذلك، مع أنه من أقبح الغيبة".
قال:"وكذلك ما أحسنَ قولَه:"وأن لا يغلبه الهوى"، فإن الهوى غلاب، إلا من عصم الله. ولكن قد لا يتجرد عن الهوى، بأنه لا يظنه هوى، بل: يظنه لجهله أو: بدعته حقًا، فلا يتطلب حينئذ ما يقهر به هواه، لأن المستقر في ذهنه أنه محق."