فقال الله جل جلاله: (آَلآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)
يعني الآن تؤمن لما عاينت الهلاك ... فأين أنت وقت الإمهال وزمن قبول التوبة؟
كما أنه لا ينفعه الإيمان حينما يُدرك طلوع الشمس من مغربها، لأنه آمن بشيء مُشاهد.
قال الله تبارك وتعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَاتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو
كسبت في إيمانها خيرا. متفق عليه.
وقال عليه الصلاة والسلام: ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض. رواه مسلم.
وقد يبتلي الله عباده ليعلم سبحانه من يخافُه بالغيب ومَنْ يعلم علم يقين أن الله مطّلعٌ عليه.
قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
وقد وعد الله الذين يخشونه بالغيب بالمغفرة في الدنيا والأجر الكبير في الآخرة.
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)
وأما علم الغيب فهو مما اختص الله به نفسه وحَجَبَه عن عباده لمصلحتهم.
قال ابن القيم - رحمه الله - وهو يُبيّن العلم الممنوح للعباد والعلم الممنوع:
قال: ثم منعهم سبحانه علم ما سوى ذلك [أي علم ما سوى ما ينفعهم] مما ليس في شأنهم ولا فيه مصلحة لهم ولا نشأتهم قابلة له، كعلم الغيب وعلمِ ما كان وكلّ ما يكون، والعلم بعدد القطر وأمواج البحر وذرات الرمال ومساقط الاوراق وعدد الكواكب ومقادِيرها، وعلمِ ما فوق السموات وما تحت الثرى وما في لجج البحار وأقطار العالم وما يُكِنُّه الناس في صدورهم، وما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد، إلى سائر ما عزب عنهم علمه، فمن تكلف معرفة ذلك فقد ظلم نفسه وبخس من التوفيق حظه ولم يحصل إلا على الجهل المركب والخيال الفاسد في أكثر أمره.