الصفحة 10 من 184

ج- وبُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمستوى الأخلاقي في الجزيرة العربية في الدرك الأسفل في جوانب شتى إلى جانب ما كان في المجتمع من فضائل الخامة البدوية، كان التظالم فاشيًا في المجتمع، وكان الخمر والميسر من تقاليد المجتمع الفاشية ومن مفاخره، وكانت الدعارة في صور شتى من معالم هذا المجتمع.

وكان في استطاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن تكون بداية دعوته دعوة إصلاحية، تتناول تقويم الأخلاق، وتطهير المجتمع، وتزكية النفوس، وتعديل القيم والموازين، وكان واجد وقتها- كما يجد كل مصلح أخلاقي في أية بيئة- نفوسًا طيبة يؤذيها هذا الدنس، وتأخذها النخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهير.

وربما قال قائل: إنه لو صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، فاستجابت له في أول الأمر جمهرة صالحة تتطهر أخلاقها وتزكو أرواحها، فتصبح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها بدلًا من أن تثير دعوة «لا إله إلا الله» المعارضة القوية منذ أول الطريق، ولكن الله سبحانه وتعالى -وهو العليم الحكيم- لم يوجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مثل هذا الطريق.

لقد كان الله سبحانه وتعالى يعلم أن ليس هذا هو الطريق، كان يعلم أن الأخلاق لا تقوم إلا على أساس من عقيدة تضع الموازين، وتقرر القيم، وتقرر السلطة التي ترتكن إليها هذه الموازين والقيم، وأنه قبل تقرير تلك العقيدة تظل القيم كلها متأرجحة، وتظل الأخلاق التي تقوم عليها متأرجحة بلا ضابط وبلا سلطان وبلا جزاء.

فلما تقررت العقيدة بعد الجهد الشاق، وتقررت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة، لما عرف الناس ربهم وعبدوه وحده، لما تحرر الناس من سلطان العبيد ومن سلطان الشهوات سواء، لما تقررت في القلوب «لا إله إلا الله» صنع الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت