الصفحة 100 من 133

ما رأيت ولا سمعت بأحد من أهل عصره مثله في ذلك كان يتواضع للكبير والصغير والجليل والحقير والغنى الصالح والفقير وكان يدني الفقير الصالح ويكرمه ويؤنسه ويباسطه بحديثه المستحلى زيادة على مثله من الأغنياء حتى أنه ربما خدمه بنفسه وأعانه بحمل حاجته جبرا لقلبه وتقربا بذلك إلي ربه.

وكان لا يسأم ممن يستفتيه أو يسأله بل يقبل عليه ببشاشة وجه ولين عريكة ويقف معه حتى يكون هو الذي يفارقه كبيرا كان أو صغيرا رجلا أو امرأة حرا أو عبدا عالما أو عاميا حاضرا أو باديا ولا يجبهه ولا يحرجه ولا ينفره بكلام يوحشه بل يجيبه ويفهمه ويعرفه الخطأ من الصواب بلطف وانبساط.

وكان يلزم التواضع في حضوره من الناس ومغيبه عنهم في قيامه وقعوده ومشيه ومجلسه ومجلس غيره. ولقد بالغ معي في حال إقامتي بحضرته في التواضع والإكرام حتى إنه لا يذكرني باسمي بل يلقبني بأحسن الألقاب ويظهر لي خصوصا بين أصحابي من الإكرام والتبجيل والإدناء منه بحيث لا يتركني اجلس إلا إلى جانبه قصيرا كان مجلسه أو طويلا خاصا أو عاما ولازمني في حال قراءتي صحيح البخاري وكان قصدي قراءته على رواية منفردا لاستصغاري نفسي عن القراءة هناك بمحضر من الناس ولقصدي تعجيل فراغي منه انتهازا للفرصة وخوفا من فوات ذلك الشيخ الراوي لكونه تفرد بروايته سماعا على أصحاب أبى الوقت السجزي.

فلما سمع الشيخ بذلك ألزمني قراءته بمجمع كثير من الناس رجالا ونساء وصبيانا وقال ما ينبغي إلا على صفة يكون نفعها متعديا إلى المسلمين فتجرد لي بحيث حصل لي مرادي وفوقه من تحصيل قراءتي له في عشرين مجلسا متوالية لم يتخللها سوى الجمعة ولازمني فيها وحضر القراءة كلها يضبطها بنسخة كانت بيده هي أصل ابن ناصر الحافظ يعارض بها نسخة القراءة وكانت اصل الشيخ المسمى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت