قلت: وقد سافر الشيخ مرة على البريد إلى الديار المصرية يستنفر السلطان عند مجئ التترسنة من السنين ، وتلا علهم آيات الجهاد ، وقال: إن تخليتم عن الشام ونصرة أهله والذب عنهم ، فإن الله تعالى يقيم لهم من ينصرهم غيركم ، ويستبدل بكم سواكم . وتلا قوله تعالى { وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } (1) وقوله تعالى { إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا و يستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئا } (2)
وبلغ ذلك الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد - وكان هو القاضي حينئذ - فاستحسن ذلك ، وأعجبه هذا الاستنباط وتعجب من مواجهة الشيخ للسلطان بمثل هذا الكلام .
محنة
شيخ الإسلام - رحمه الله
وأما محن الشيخ: فكثيرة ، وشرحها يطول جدًا .
وقد اعتقله مرة بعض نواب السلطان بالشام قليلا ، بسبب قيامه على نصراني سب الرسول - صلى الله عليه وسلم - واعتقل معه الشيخ زين الدين الفاروقي ، ثم أطلقهما مكرمين
تصنيف الحموية
وبداية المحنة
ولما صنف المسألة"الحموية"في الصفات: شنع بها جماعة ، ونودي عليها في الأسواق على قصبة ، وأن لا يستفتي من جهة بعض القضاة الحنفية . ثم انتصر للشيخ بعض الولاة ، ولم يكن في البلد حينئذ نائب ، وضرب المنادي وبعض من معه ، وسكن الأمر .
تاريخ المحنة
وأهم ما وقع بها
ثم امتحن سنة خمس وسبعمائة بالسؤال عن معتقده بأمر السلطان ؟ فجمع نائبه القضاة والعلماء بالقصر ، وأحضر الشيخ ، وسأله عن ذلك ؟ فبعث الشيخ من أحضر من داره"العقيدة الواسطية"فقرءوها في ثلاث مجالس ، وحاققوه ، و بحثوا معه ، ووقع الاتفاق بعد ذلك على أن هذه عقيدة سنية سلفية ، فمنهم من قال ذلك طوعًا ، ومنهم من قاله كرها وورد بعد ذلك كتاب من السلطان فيه: إنما قصدنا براءة ساحة الشيخ ، وتبين لنا أنه على عقيدة السلف .
(1) محمد / 38
(2) التوبة / 39