بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. وبعد،
التراث - ولاشك - هو الكنز الباقي عبر السنين، يقف شاهدًا على عظمة الأجداد وخيبة الأحفاد قال تعالى"فخلف من بعدهم خَلْف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه .. الآية" (سورة الأعراف آية 169) وأقصد بالتراث كل ما تركه العلماء السابقون من كتابات وكتب خطوها بأيديهم أو نسخها النُّسَّاخ، وحتى ما كان من أفكار طرحوها ودرسوها حتى ترسخت في عقولهم ووجداناتهم ثم أنتقلت إلى عقول من لحقهم على امتداد قرون الحضارة العربية الإسلامية. فهذه الكتابات والمخطوطات هي سجل عصرها ومرآة أحداثه وأفكاره وقيمه، ومن هنا فهي أحد أهم المصادر التي لا غنى عنها لكل باحث يبحث في أي جانب من جوانب الحياة العلمية أو الاجتماعية أو غيرهما في ذلك الزمن البعيد.
وتراثنا - في الحقيقة - لا يزال مجهولًا بالنظر إلى ما نشر منه، ونعني بذلك ما نشر نشرًا علميًا، لا ما نشر نشرًا دعائيًا، وحتى لو لم نميز بين ما نشر فهو - أيضا - لا يزال مجهولًا حبيسَ خزانات أو بالأحرى مخازن المخطوطات.
وهو -أيضًا- مجهول بالنظر إلى وعينا المعاصر به، سواء كنا نقصد بالوعي الإلمام بأكبر قدر ممكن من المعلومات عن المخطوطات وفهرستها فهرسة دقيقة، أو كنا نقصد به التمعن والتحليل المدقق للأفكار والنظريات، والذي لا ينساق خلف حماسة جوفاء لا مبرر لها فيطرح عن تراثنا وحضارتنا أفكارًا مشوهة لا عقلانية.
وبشكل عام، ودون الولوج في تفاصيل كثيرة تقف خلف هذا الجهل المطبق بتراثنا فإن تراثنا لا يزال مجهولًا، وإن كانت هناك محاولات في الأيام الأخيرة لفض غبار الزمن عن هذا التراث المجهول، لاسيما المخطوط منه. ومن بين هذه المحاولات مؤتمرنا هذا، والذي كتب هذا البحث ليكون واحدًا من الأبحاث المقدمة فيه، وهو المؤتمر الدولي الأول الذي ينظمه مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية (سبتمبر 2004) تحت عنوان:"المخطوطات الألفية في العالم". في محاولة لتحريك أفكار وعقول الباحثين الراكدة لدراسة مخطوطات هي الأندر والأقيم في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية (المخطوطات الألفية) ثم الانتقال بتلك الدراسة إلى مجموعات أخرى تليها ثم التي تليها إلخ. وحتى تتوجه أقلام وعقول الباحثين لدراسة القدر الأكبر من تراثنا المخطوط دراسة عقلانية علمية لا دراسة حماسية.