فهرس الكتاب
وبهذا التنفير من العلماء فسد سلوك الشباب تجاههم، وظهر لأول مرة في الجزائر فُرقة بين السلفيين؛ إذ أصبحتَ تسمع بسلفية علمية وسلفية حركية! ووُصف بالإرجاء كل من دعا إلى الحكمة والصبروالأخذ بسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في جهاده، وهذه هي بركة التحزب!
وأخيرًا لا بدّ من كلمة مختصرة جدًا عن هذا الرجل، أرى أنها تُعَرِّف به جيِّدًا، وهي أن علي بن حاج يعيش بنفسية متوترة؛ يثور على المألوف، ويستثير الغريب المخوف، وتراه لا يثبت على مذهب؛ بل يُكثر التنقل من غريب إلى أغرب؛ يتتبّع الجديد الذي يثير الانتباه، ويَملّ العتيق ولو لم يكن به اشتباه [1] ؛ فحين كان تهريج عبد الحميد كشك مطلب الشباب كان
( كشكيًا! ) ، ويوم أن تمكّن الخميني من الحكم مدحه مدحًا كبيرًا! [2] وحين برّزت الدعوة السلفية ـ في مجتمع قد أنهكته المذهبية ـ ولَّى إليها وجهه، لكنه حصر عنايته بها في الحرب على المذهبية، وصحب ذلك حماسة لطلب العلم، فشنَّع على الدعوات السياسية وتسجَّى بالحِلم، ثم اشرأبّت الأعناق إلى إيران، فثار عليهم ثورة الثيران! وحين جاء التحزّب يركض، ركبه ولم يُعَقِّب! فما زال سياسيًا يُحاور، حتى إذا سالت من دماء التكفير عيون انقلب إلى العنيفِ المعايرِ، وهنا وضع رحله، وربط فرسه، وشُلّ منه التفكير، ورضي في سبيل ذلك بالمعاطب، واستأنسَ بوحوش التكفير، واستقرّت به المراكب، والله وحده أعلم بالذي يتلوه.
(1) من غرائب كلماته التي كان يتعمّد تكثير الجماهير بها أنني سمعتُه مرة في درس عامّ يقول:"بعد خمسة عشر يوما أخبركم هل الرئيس الشاذلي بن جديد كافر أو لا؟!!!".
(2) وذلك في أول درس ألقاه في مسجد الإمام الشافعي بالحراش في عاصمة الجزائر، ولئن بقي مِن أصحابه الأقدمين مَن لم يَحصده الرصاص بعد ليذكرنّ ذلك ـ إن شاء الله ـ وذلك يوم أن وصف الخميني بصاحب اللحية البيضاء توقيرًا! فـ {قُتِلَ الخَرَّاصُونَ} !