فهرس الكتاب
ولما كانت الجاهلية على هذا الوصف الذي في الحديث، بعث الله نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - مخلِّصا لها دينها من الشوائب، ومربيا لها على الإسلام الذي ارتضاه لها ربها، وعلى قاعدة (التصفية والتربية) وإن شئت قل (التخلية والتحلية) كانت دعوة الإسلام، ففي التوحيد لا يتربى المرء عليه سليما حتى يتخلص من رواسب الشرك، ولذلك قال الله تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لها} ، وفي التشريع لا يتربَّى المرء عليه سليمًا حتى يتخلَّص من البدع، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل خطبة جمعة يأمر بلزوم الدين الصحيح المتمثل في الكتاب والسنة ويحذّر مما يَغشُّه ويُكَدِّر صفاءه وهو البدع؛ فقد روى مسلم عن جابر قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش، يقول:
( صبّحكم ومسّاكم (، ويقول: ( بعثت أنا والساعة كهاتين ( ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: ( أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (، وتكراره لهذه الجملة دليل تأصيلها وشدّ العناية إليها. وخلاصة هذه القاعدة أنها تعني تصفية الإسلام من كل دخيل، وتربية الناس على هذا الإسلام الأصيل؛ أي تصفية التوحيد من الشرك، والسنة من البدعة، والفقه من الآراء الحادثة المرجوحة، والأخلاق من سلوك الأمم الهالكة المقبوحة، والأحاديث النبوية الصحيحة من الأحاديث المكذوبة المفضوحة ... وهكذا [1] .
تطبيق:
اجتمع الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بعلي بن حاج القائد الروحي
(1) مَن أراد بسطا في الموضوع فليرجع إلى كتاب ( التصفية والتربية ( لأخينا علي بن حسن ابن عبد الحميد في طبعته الجديدة لعام( 1415 ) هـ.