ومن الخطأ أن نعتقد أن للجمال مقاييسه الحسية وحدها، تلك التي تقع عليها العين، أو تسمعها الأذن، أو يشمها الأنف، أو يتذوقها اللسان، أو تتحرك لها لمسات الأطراف العصبية، فالجمال مادة وروح، واحساس وشعور، وعقل ووجدان، فإذا التقى فلاسفة الجمال في بعض الجوانب أو العناصر، فستظل هناك في عالم الجمال مناطق يعجز الفكر الفلسفي عن إدراك كنهها، والوصول إلى أبعادها، فليس العقل وحده هو القوة القادرة على استكناه كل أسرار الوجود وما خفي فيه، ولحكمة يقول الله في كتابه العزيز (.. فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) ( الحج: 46) .
لقد استطاعت الفلسفات القديمة أن تصل إلى قناعة بأن القيم الثلاث (الحق ـ الخيرـ الجمال ) هي القيم الكبرى في الوجود، وأنه تحت مظلة هذه القي م الكبرى تندرج القيم الإنسانية جميعًا فروعًا لها، وقيمة (الخير ) تلك تنبثق من التفرقة بين ما هو رذيلة وشر، وبين ما هو فضيلة وخير، هذه التفرقة يقوم بها مفكر موهوب ـ طببقًا للتصور الفلسفي ـ يتميز بدقة التحليل، ونقاذ البصيرة، فيصوغ تلك الأسس التي على وجودها تبني الفضيلة، وعلى غيابها تبني الرذيلة، فإذا تحقق لذلك المفكر ما أراده، عددناه فيلسوفًا، وعددنا ما كتبه (فلسفة الأخلاق ) (1) .
أما إذا كانت التفرقة بين الخطأ والصواب، بحيث يقوم بها مفكر دقيق، أوتي سعة الأفق، وأصالة الدقة، كان ذلك هو (علم المنطق ) وهو فرع من الفلسفة، وعن طريقة نصل فلسفيًا إلى قيمة (الحق ) .