وهذا راجع إما لجهل بأصل مبدأ الاتباع والاهتداء والاقتداء وعدم الإدراك بأن هذا من لوازم المحبة له صلى الله عليه وسلم، وإما لعدم إدراك مواضع الاقتداء من سيرته صلى الله عليه وسلم نظرًا لضعف الملكة في الاستنباط أو لقلة العلم والاطلاع على كتب أهل العلم.
وهنا تأتي أهمية استخراج الدروس واستنباط الفوائد والعظات واستخلاص العبر من سيرته صلى الله عليه وسلم.
ولما كانت عامة التآليف في السيرة في جمع الروايات ما بين مطيل ومختصر وناظم وناثر لها ومفصل ومجمل.
رأيت أن أجمع مختصرًا في السيرة معتمدًا على صحيح الروايات إلا رواية لم يبن عليها مسألة في العقيدة أو حكم شرعي فإني قد تساهلت في ذلك، مستنبطًا منها الدروس والعبر والفوائد والعظات، على هيئة سلسلة تحت عنوان (دروس وعبر من سيرة خير البشر) تصدر تباعًا إن شاء الله تعالى.
وهذا هو الكتاب الأول (مدخل لفهم السيرة) ، وهو مهمّ لكل من أراد دراسة السيرة النبوية الشريفة، ليدرك من خلاله معاني السيرة وخصائصها وميزاتها، وحالة البشرية قبل البعثة من الضلال والانحراف، وعجزها عن إدراك مصالحها إلا برحمة الله لها بأن أرسل إليها رسولًا يخرجها من الظلمات إلى النور.
وبإدراكه حجم الانحراف الذي وصلت إليه البشرية يعرف ذلك الجهد الذي بذله رسول الله صلى الله عليه وسلم لإخراج الناس من ذلك التيه الذي عاشوا فيه قرونًا طويلةً حتى استمرؤوا الذل والهوان، ولم يعودوا يفكرون في الخلاص ونبذ ذلك الركام الذي غطى على قلوبهم وطمس فطرهم.
ما هي السيرة؟
السَير الذهاب والاسم منه السِيرة، والسِيرة الضرب من السَير، والسِيرة السنة، والسِيرة الطريقة. يقال: سار بهم سِيرة حسنة، والسِيرة: الهيئة، وفي التنزيل: {سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُوْلَى} (طه: 21) ، وسَيَّر سِيرة: حدَّث أحاديث الأوائل (1) .
(1) لسان العرب (4/389) .