قد ألفوا التهجين والتدجين ومصادرة الرأي والحريات، فلا يصلح لهم أن يعرفوا شيئًا، لأنهم ليسوا على مستوى المعرفة والإدراك عند حكامهم، فلا يستحق الشعب السؤال عن شيء فضلًا عن إبداء الرأي فيه.
وعلى العموم فكانت البشرية في القرن السادس الميلادي في أحط أدوارها، وأقبح فترات تاريخها، قد تحطمت فيها جميع مقومات البقاء والحياة، فأصبحت تحتضر قد أيس منها المصلحون وهم على قلتهم وندرتهم قد هربوا في الفيافي والقفار فرارًا ويأسًا منها كما يدل على ذلك قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه، فقد كان ينتقل من عالم إلى آخر كل عالم إذا احتضر أوصى به إلى من يعرفه من بقايا العلماء في مختلف المناطق والديار حتى انتهى إلى الأخير منه فقال له: لا أعرف الآن أحدًا في هذه الأرض إلاّ أنه حان مبعث نبي داره في كذا وكذا فوصف له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق سلمان إلى المدينة ينتظر مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما أقفرت الأرض كلها من عالم أو مصلح (1) .
خامسًا: العرب:
أما العرب فقد تركوا دين أبيهم إسماعيل وابتعدوا عن الحنيفية دين أبيهم إبراهيم، وانتشرت بينهم عبادة الأصنام والأوثان، وغلوا فيها إلى حد يثير السخرية حيث كان الواحد منهم في سفره يجمع أربعة أحجار ثلاثة لقدره وواحدًا يعبده، وإن لم يجد حلب الشاة على كوم من تراب ثم عبده.
(1) انظر: السيرة للندوي من أولها إلى (ص:25) .