فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 272

وفي إحدى ليالي رمضان زرت منزل فضيلة قاض الإسماعيلية الشرعي واجتمع في هذه الزيارة مأمور المركز والقاضي الأهلي وناظر المدرسة الابتدائية ومفتش المعارف ولفيف من الأدباء والفضلاء والمحامين والأعيان وكانت جلسة سمر لطيف.

وطلب فضيلة القاضي الشاي فقدم إلينا في أكواب من الفضة وجاء دوري فطلبت كوبًا من زجاج فقط، فنظر إلي فضيلته مبتسمًا، وقال أظنك لا تريد أن تشرب لأن الكوب من فضة فقلت نعم وبخاصة ونحن في بيت القاضي.

فقال إن المسألة خلافية وفيها كلام طويل ونحن لم نفعل كل شيء حتى نتشدد في مثل هذا المعنى، فقلت يا مولانا إنها خلافية إلا في الطعام والشراب فالحديث متفق عليه والنهي شديد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما" ويقول: " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم" ولا قياس مع النص ولا مناص من الامتثال وحبذا لو أمرت بأن نشرب جميعًا في اكواب من زجاج.. وتدخل بعض الحاضرين في الأمر وأرادوا أن يقولوا إن الأمر ما دام خلافيًا فلا لزوم للإنكار، وأراد القاضي الأهلي أن يدلي بدلوه في الدلاء فقال للقاضي الشرعي: يا فضيلة القاضي ما دام هناك نص فالنص محترم، ولسنا ملزمين بالبحث عن الحكمة وإيقاف العمل بالنص حتى تظهر، فعلينا الامتثال أولًا ثم إن عرفنا الحكمة فيها وإلا فذلك قصور منا والعمل على كل حال واجب، فانتهزتها فرصة وشكرت له وقلت له مشيرًا إلى إصبعه وما دمت قد حكمت فاخلع هذا الخاتم فإنه من ذهب والنص يحرمه، فابتسم وقال يا أستاذ أنا أحكم بقوانين نابليون وفضيلة القاضي يحكم بالكتاب والسنة وكل منا ملزم بشريعته فدعني وتمسك بقاضي الشريعة فقلت إن الأمر إنما جاء للمسلمين عامة وأنت واحد منهم فهو يتجه إليك بهذا الاعتبار. فخلع خاتمه وكانت جلسة ممتعة وكان لها صداها بعد ذلك في جمهور يرى مثل هذا الموقف العادي أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر ونصيحة في ذات الله.

محاضرة عن الاسراء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت