عرف فضل هذه الشخصية التي قفزت إلى الوجود، وفاجأت مصر ثم العالم العربي والإسلامي كله بدعوتها وتربيتها وجهادها وقوتها الفذة التي جمع الله فيها مواهب وطاقات قد تبدو متناقضة في عين كثير من علماء النفس والأخلاق، ومن المؤرخين والناقدين، هي العقل الهائل النير، والفهم المشرق الواسع، والعاطفة القوية الجياشة، والقلب المبارك الفياض، والروح المشبوبة النضرة، واللسان الذرب البليغ، والزهد والقناعة - دون عنت - في الحياة الفردية، والحرص وبعد الهمة - دونما كلل - في سبيل نشر الدعوة والمبدأ، والنفس الولوعة الطموح، والهمة السامقة الوثابة، والنظر النافذ البعيد، والإباء والغيرة على الدعوة، والتواضع في كل ما يخص النفس.. تواضعًا يكاد يجمع على الشهادة عارفوه، حتى لكأنه -كما حدثنا كثير منهم - مثل رفيف الضياء: لا ثقل ولا ظل ولا غشاوة.
وقد تعاونت هذه الصفات والمواهب في تكوين قيادة دينية اجتماعية، لم يعرف العالم العربي وما وراءه قيادة دينية سياسية أقوى وأعمق تأثيرًا واكثر إنتاجا منها منذ قرون، وفي تكوين حركة إسلامية يندر أن تجد - في دنيا العرب خاصة - حركه أوسع نطاقا وأعظم نشاطا واكبر نفوذا وأعظم تغلغلا في أحشاء المجتمع واكثر استحواذا على النفوس منها.