فهرس الكتاب
ثم تشاورنا في مكان الاجتماع وما نعمل فيه، واتفقنا أخيرا على أن نستأجر حجرة متواضعة في شارع فاروق في مكتب الشيخ علي الشريف بمبلغ 60 قرشا في الشهر. نضع فيها أدواتنا الخاصة ونجتمع فيها اجتماعاتنا الخاصة، على أن يكون لنا حق الانتفاع بأدوات المكتب بعد انصراف التلاميذ ابتداء من العصر إلى الليل ويسمه هذا المكان"مدرسة التهذيب" للإخوان المسلمين، ويكون منهاجه دراسة إسلامية قوامها تصحيح تلاوة القرآن بحيث يتلوه الأخ المنتسب إلى هذه المدرسة. وبالتالي إلى الدعوة وفق أحكام التجويد. ثم محاولة حفظ آيات وسور. ثم شرح هذه الآيات والسور وتفسيرها تفسيرًا مناسبا. ثم حفظ بعض الأحاديث وشرحها كذلك. وتصحيح العقائد والعبادات وتعرف أسرار التشريع وآداب الإسلام العامة. ودراسة التاريخ الإسلامي وسيرة السلف الصالح والسيرة النبوية. بصورة مبسطة تهدف إلى النواحي العملية والروحية. وتدريب القادرين على الخطابة والدعوة تدريبا علميا بحفظ ما يستطاع من النظم والنثر، ومادة الدعوة. وعمليا بتكليفهم التدريس والمحاضرة في هذا المحيط أولا. ثم في أوسع منه بعد ذلك. وحول هذا المنهاج تربت المجموعة الأولى من الإخوان المسلمين الذين بلغوا في نهاية العام المدرسي" 27 9 1 - 28 9 1" سبعين أو أكثر قليلًا. ولم يكن هذا المنهاج التعليمي هو كل شيء.
فقد كانت معاني التربية العملية التي تتفاعل في أنفسهم بالمخالطة والتصرفات الواقعية والود والمحبة فيما بينهم، والتعاون الكامل في شئون حياتهم، وتهيؤ نفوسهم لما في ذلك من خير أقوى العوامل في تكوين هذه الجماعة. وأذكر أنني دخلت على الأخ السيد أبو السعود - رحمه الله - تاجر الخردوات، فرأيت الأخ مصطفي يوسف يشتري منه" زجاجة ريحه" والمشتري يريد أن يدفع عشرة قروش والبائع يأبى أن يأخذ أكثر من ثمانية قروش، وكلاهما لا يريد أن يتزحزح عن موقفه. كان لهذا المنظر أعمق الأثر في نفسي، وتدخلت في الأمر، فطلبت فاتورة الشراء فوجدت أن الثمن الأساسي الذي اشترى به الأخ سعيد سيد أبو السعود - رحمه الله - هو الذي يريد أن يبيع به لأخيه" الدستة بستة وتسعين قرشا"..